الأسماء الحسنى، اسم الله الشهيد في القرآن والسنة وأسراره وآثاره الإيمانية
اسم الله الشهيد في القرآن والسنة وأسراره وآثاره الإيمانية، حثَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته على تتبع أسماء الله سبحانه وتعالى ومعرفتها وحفظها، ووعدهم جزاء ذلك الجنة، فقال - عليه الصلاة والسلام -: (إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة) متفق عليه.
ولا يعني الحديث حصر أسماء الله في تسعة وتسعين اسمًا، وإنما المراد أن الجزاء مرتب ومعلق على إحصاء هذا العدد وفي السطور التالية سوف نتناول شرح اسم الله الشهيد وما ورد فيه من القرآن الكريم والسنة النبوية.
والشهيد اسم من أسماء الله الحُسْنى ويعني المطلع على جميع الأشياء، لا تخفى عليه خافية، فإنه سبحانه عالم الغيب والشهادة، الشهيد على أفعال العباد وأقوالهم، ويتجلى ذلك يوم القيامة عند محاسبتهم وتقرير أحوالهم.
قال الزَّجَّاج في "تفسير أسماء الله الحسنى": "الشهيد: الحاضِر، يُقال: شَهِدتُ الشَّيءَ وشَهِدتُ به، وأصل قَولِهم: شَهِدتُ به، مِنَ الشَّهادة التي هي الحُضور". وقال ابنُ سِيْدَه في "المُخصص": "الشَّهيدُ الذي لا يغيب". وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": "الشهيد: هو الذي لا يَغيب عنه شيء، يقال: شاهدٌ وشهيد، كعالِمٍ وعليمٍ، أي: إنَّه حاضِرٌ يُشاهِد الأشياء ويراها". وقال الأزهري في "تهذيب اللغة": "و(شَهِدَ الله) بمعنى: عَلِمَ، وكتَب، وقضَى، وأظهَرَ، وبيَّن".
وقال الزَّجَّاجيُّ: "الشهيد في اللُّغة: بمعنى الشَّاهِد، كما أنَّ العليم بمعنى العالِمِ، والرحيم بمعنى الراحِم.. فاللهُ عَزَّ وجَلَّ لَمَّا كانت الأشياء لا تخفى عليه كان شهيدًا لها وشاهِدًا لها، أي: عالِمًا بها وبحقائِقِها عِلْمَ المشاهِدِ لها، لأنَّه لا تخفى عليه خافية". وقال الحليمي في "المنهاج في شُعب الإيمان": "الشَّهيد: ومعناه: المطَّلِع على ما لا يَعلَمُه المخلوقون إلَّا بالشُّهود، وهو الحُضور، ومعنى ذلك أنَّه وإن كان لا يُوصَفُ بالحُضورِ الذي هو المجاوَرة والمُقارَبة، فإنَّ ما يجري ويكون مِن خَلْقِه لا يخفى عليه". وفي "شرح العقيدة الطحاوية": "مِنْ أسمائه "الشهيد" الذي لا يَغِيب عنه شيْء، وَلَا يَعْزُب عَنْه، بَلْ هُوَ مُطَّلِعٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُشَاهِدٌ له، عَلِيمٌ بِتَفَاصِيلِه". وقال السَّعْديُّ: "الشهيد، أي: المطَّلِعُ على جميع الأشياء، سَمِعَ جميع الأصوات، خَفِيَّها وجَلِيَّها، وأبصرَ جميعَ الموجوداتِ، دَقيقَها وجليلَها، صَغيرها وكبيرها، وأحاط عِلمُه بكلِّ شيء، الذي شَهِد لعبادِه وعلى عبادِه بما عَمِلوه".
اسم الله الشهيد في القرآن الكريم
الله سبحانه وتعالى يُوصَفُ بأنَّه "شهيدٌ"، و"الشَّهيد" اسمٌ من أسْمائِه، والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها:
1 ـ قال الله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}(آل عمران:18). قال ابن كثير: "شَهِدَ تعالى - وكفى بِه شَهِيدًا، وَهُوَ أَصْدق الشاهدين وأَعْدَلُهُمْ، وَأَصْدَق الْقَائِلِين - {أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ} أَيْ: المتفَرد بِالْإِلَهِيَّةِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِق".
2 ـ قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ}(آل عمران:98). قال ابن كثير: "تَوَعَّدَهُم اللَّهُ تعالى على ذَلِكَ بِأَنَّه شَهِيدٌ عَلَى صَنِيعهم ذَلِك بِمَا خَالَفُوا ما بأيديهم عن الأنبياء".
3 ـ قال عز وجل: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}(المائدة:117). قال الطبري: "{وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} يقول: وأنت تشهد على كل شيء، لأنه لا يخفى عليك شيء، وأما أنا، فإنما شهدتُ بعض الأشياء".
4 ـ قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}(الأنعام:19). قال ابن كثير: " {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} أَيْ: مَنْ أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ شَهَادَةً {قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أَيْ: هُوَ الْعَالِمُ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ، وَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ لِي". وقال السعدي: "{قُلِ اللَّهُ} أكبر شهادة، فهو {شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} فلا أعظم منه شهادة ولا أكبر".
5 ـ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}(الحج:17). قال الطبري: "يقول: إن الله على كل شيء من أعمال هؤلاء الأصناف الذين ذكرهم الله جلّ ثناؤه، وغير ذلك من الأشياء كلها شهيد، لا يخفى عنه شيء من ذلك".
اسم الشهيد في السنة
6 ـ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (انْشَقَّ القَمَرُ على عَهْدِ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فِلْقَتَيْنِ، فَسَتَرَ الجَبَلُ فِلْقَةً، وَكَانَتْ فِلْقَة فَوْقَ الجَبَل، فقال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ اشْهَدْ) رواه مسلم. وروى البخاري حديث حجة الوداع عن أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبلِغِ الشَّاهِدُ الغائب). قال العيني: "قوله: (اللهم اشهد)، لما كان التبليغ فرضًا عليه أشهد الله تعالى أنه أدى ما أوجبه عليه". وقال الهروي: "(اللهم اشهد) أي على عبادك بأنهم قد أقروا بأني قد بلَّغْتُ.. والمعنى اللهم اشهد أنت إذ كفى بك شهيدا"..
غرس مراقبة الله تعالى
واسم الله "الشهيد" مِن أسماء الله الحُسنى التي لها أثر كبير وعظيم في غرس مراقبة الله تعالى في القلب، فالمسلم إذا عَلِم وأيْقن أنَّ الله شاهد ومطّلعٌ عليه، غير غائب عنه، وأنه سبحانه يقضي بين عباده، الذي لم يفارقهم في الدنيا طَرفة عين، ولا يحتاج سبحانه إلى الشُّهود، لأنه على كل شيءٍ شهيد، كان ذلك دافعًا له للاستقامة والصلاح، والمراقبة ومحاسبة النفس، والتحلي بالإخلاص لله في كل قول وفعل. قال الله تعالى: {وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ}(آل عمران:98).. قال الأصبهاني: "..فينبغي لكلِّ عاملٍ أراد عملًا، صَغُرَ العملُ أو كَبُر، أنْ يقف وقفةً عند دخوله فيه، فيعلم أنَّ الله شهيدٌ عليه، فيُحاسب نفسه، فإنْ كان دخوله فيه لله: مضى فيه، وإلا ردَّ نفسه عن الدخول فيه، وتركه".
وقال السعدي: "(الرقيب) و(الشهيد) مترادفان، وكلامها يدلُّ على إحاطة سمع الله بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، وعِلمه بجميع المعلومات الجَلِيَّة والخفيّة.. ولهذا كانت المراقبة التي هي مِن أعلى أعمال القلوب هي التعبد لله باسمه "الرقيب، الشهيد"، فمتى عَلم العبد أنَّ حركاته الظاهرة والباطنة قد أحاط الله بعلمها، واستحضر هذا العِلم في كل أحواله، أوجب له ذلك حِراسة باطنه عن كل فِكْرٍ وهاجسٍ يبغضه الله، وحِفظ ظاهره عن كل قول أو فعل يسخط الله، وتعبَّد بمقام الإحسان فعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، فإذا الله كان رقيبًا على دقائق الخفيات، مُطلعًا على السرائر والنيات، كان مِنْ باب أولى شهيدًا على الظواهر والجليّات، وهي الأفعال التي تُفعل بالأركان أي الجوارح".








