رئيس التحرير
عصام كامل

معالي الوزير المقموص

18 حجم الخط

يبدو أننا دخلنا عصرًا جديدًا في إدارة الشأن العام؛ عصر لا يغضب فيه الوزير من إخفاق وزارته بقدر ما يغضب من الصحفي الذي يكشفه، ولا ينزعج من إهدار المال العام بقدر ما ينزعج من انتقاد من يسأل: أين ذهبت الأموال؟ حتى أصبحنا أمام نموذج جديد يستحق أن نطلق عليه لقب: معالي الوزير المقموص!


الرئيس عبد الفتاح السيسي تحدث عن منتدى مصر باعتباره فرصة لجبر خاطر بعض المسؤولين الذين ضاقوا بالنقد القاسي، وأصبحوا يفكرون في الرحيل عن مناصبهم. وهنا يحق لنا أن نسأل: هل وظيفة الصحافة أن تجبر خاطر المسؤول، أم أن تكشف ما يحتاج إلى إصلاح؟ وهل أصبح النقد المهني إساءة شخصية تستوجب المواساة، أم أنه جزء أصيل من مسؤولية أي وزير يتولى إدارة مليارات الجنيهات من أموال الشعب؟


تعالوا نطبق هذه القاعدة على قطاع الكهرباء. كيف ننتقد قرارات وزير يحدثنا عن ديون متراكمة بمليارات الجنيهات تحتاج وزارته إلى سدادها، ثم نصمت عن أسئلة مشروعة بشأن رئيس إحدى الشركات التابعة للقطاع، وعقد لتوفير عمال نظافة بقيمة 17 مليون جنيه شهريًا، تحولت بقدرة قادر إلي مورد رئيسي للعمالة الادارية للشركة، وكأن اعلانات الوظائف الخالية في الجرائد وصفحة الشركة الرسمية علي وسائل التواصل الاجتماعي لا تقوم بالمهمة، وكأنه لابد من انفاق 17 مليون جنيه لشركة وسيطة لتوفير العمالة!

 

أليس من حقنا أن نطالب بكشف تفاصيل العقد، ومبررات تكلفته، ومدى الالتزام بالغرض المخصص له؟ ثم ماذا عن مئات الملايين التي  أُنفقت على فريق كرة قدم تابع للشركة؟ وما العائد الذي يحققه هذا الإنفاق للشركة، وما علاقته بنشاطها الأساسي والتزاماتها المالية؟ إذا كانت هذه الأرقام تحتاج إلى توضيح، فالواجب هو تقديم المستندات والرد على الأسئلة، لا انتظار أن يربت أحد على كتف الوزير ويخبره أن الصحفيين قساة القلوب!


والقصة لا تتوقف هنا. فمنصة الكهرباء توقفت، وظهرت أسئلة عن خسائر مالية تجاوزت المليار جنيه، وفقًا لما نتابعه من وقائع ومعلومات تحتاج إلى كشف رسمي شامل. والوزير، بحكم موقعه، هو الأقدر على توضيح ما حدث، ومن المسؤول، وكيف جرى التعامل مع الأزمة. فلماذا لا تكون الإجابة بالأرقام والمستندات؟ ولماذا يتحول السؤال عن المال العام إلى أزمة خاطر؟


زمان، كان المسؤول يرد على التحقيق الصحفي، ويرسل تصحيحًا أو تكذيبًا مدعومًا بالحقائق، أو يناقش الكاتب فيما نشره، أو يوضح أوجه القصور ويتخذ الإجراءات اللازمة لمحاسبة المقصرين. أما اليوم، فيبدو أن بعض المسؤولين يريدون من الصحافة أن تخفف نبرتها حتى لا تتعكر أمزجتهم، وأن تراجع كلماتها قبل أن تراجع حساباتهم!


والأكثر إثارة للسخرية أن المنصب الذي يبدو ثقيلًا على أعصاب صاحبه عند النقد، كان في لحظة الوصول إليه حلمًا يستحق بذل أقصى الجهد. فكم من مسؤول انتظر طويلًا حتى يجلس على الكرسي، ثم اكتشف فجأة أن الصحافة جزء مزعج من ضريبة المنصب! ولو خُيّر بعض عشاق الكراسي بين مغادرتها وبين احتمال سماع نقد قاسٍ، لاختاروا خوض معركة مع العالم كله، بشرط ألا يطلب منهم أحد أن يتركوا مقاعدهم.

يا معالي الوزير، المنصب العام ليس جلسة تدليل، والوزارة ليست صالونًا لجبر الخواطر، والصحفي ليس عدوًا لأنه يسأل. إذا كان التحقيق خاطئًا، فكذّبه بالمستندات. وإذا كان صحيحًا، فصحح الخطأ وحاسب المسؤول. أما أن نحزن لأن أحدًا كشف ما يستحق الكشف، فهذه ليست أزمة صحافة؛ إنها أزمة مسؤول لم يتصالح بعد مع حقيقة بسيطة: الكرسي العام لا يمنح صاحبه حصانة من النقد، بل يضعه تحت الاختبار كل يوم.

الجريدة الرسمية