رئيس التحرير
عصام كامل

مواطن من مصر المفروسة

18 حجم الخط

في مصر المفروسة، قد تفقد أم ابنتها تحت عجلات سيارة، وقد تذهب أرواح أربعة شباب في عمر الزهور في لحظة واحدة، ثم تبدأ رحلة أخرى لا تقل قسوة عن الموت نفسه: رحلة انتظار العدالة، ومتابعة المحاكمات، ومراقبة الأحكام، ومحاولة فهم كيف يمكن أن تكون العقوبة أقل كثيرًا من فداحة الجريمة!

 

بالأمس، أُسدل الستار على قضية دهس هدير، بائعة الشاي في حدائق الأهرام، ببراءة المتهمة جودي، والحكم على الشاب قائد السيارة بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ. ولا أناقش هنا أسباب البراءة أو أختزل حكمًا قضائيًا في انطباع شخصي، وإنما أطرح السؤال الذي يجب ألا يتوقف عند هذه القضية: هل تحقق العقوبات المقررة للقتل الخطأ بالسيارات الردع الذي يحمي أرواح المصريين؟


وقبل هذه المأساة، كانت قضية كريم الهواري، الذي تسبب في مصرع أربعة طلاب في حادث الشيخ زايد، بعدما قاد سيارته بسرعة خطرة وتحت تأثير المخدرات والكحول. وانتهت القضية بحكم بالسجن المشدد ثلاث سنوات.. أربعة شباب رحلوا دفعة واحدة، وأسر انقلبت حياتها إلى مأتم دائم، وعقوبة بالسجن المشدد ثلاث سنوات! فأي رسالة يبعث بها هذا الحكم إلى شاب يظن أن ثراء أسرته وقدرتها على التفاوض قد يجعلان عواقب تهوره أهون مما يتصور؟


لكن هناك وجهًا آخر للوجع لا يظهر في أوراق القضايا، ولا تتوقف عنده الأحكام طويلًا. ففي مجتمعنا، غالبًا ما تكون الضحية من أسرة بسيطة، لا تملك نفوذًا ولا مالًا، ولا تستطيع خوض معركة قضائية طويلة. وهنا تجد الأسرة نفسها بين مطرقة عقوبة تراها هزيلة لا تتناسب مع فداحة ما حدث، وسندان أهل المتهم الذين قد يحاصرونها بطلب العفو، أو يعرضون الدية والتعويض، تحت لافتة أن الحادث لم يكن مقصودًا، وأن العقاب لن يعيد الابن أو الابنة إلى الحياة، وأن مستقبل المتهم سيتدمر إذا دخل السجن سنوات طويلة.


وهكذا تتحول المأساة، في بعض الحالات، إلى معركة نفسية واجتماعية غير متكافئة؛ أسرة فقدت فلذة كبدها وما زالت تنزف، تجد نفسها مطالبة بأن تسامح، وأن تتنازل، وأن تراعي مستقبل من تسبب في تدمير مستقبل ابنها أو ابنتها إلى الأبد!


وتزداد المأساة حين يدخل بعض المحامين على خط الأزمة، فيمارسون أساليب الترغيب والترهيب، ويلعبون على كل الحبال، بين إغراء الأسرة بالمال والتلويح بطول التقاضي، وبين استدرار العطف والضغط النفسي عليها حتى تقبل الصلح أو تتنازل عن حقوقها. وقد يكون التفاوض مشروعًا في ذاته، لكن الخطورة تبدأ حين يتحول ضعف أسرة مكلومة إلى فرصة لاستغلال حاجتها أو إنهاكها حتى تستسلم.


وهنا يجب أن نقولها بوضوح: لا يجوز أن يصبح الفقر سببًا في إهدار حق الضحية، ولا أن يتحول مستقبل المتهم إلى عبء يُلقى على أسرة فقدت طفلها أو ابنتها. فالتعويض المالي حق، والصلح شأن تحكمه إرادة أصحابه، أما حق المجتمع في الردع والمحاسبة فلا ينبغي أن يتوقف على قدرة أسرة الضحية على الصمود أمام الضغوط، أو على استعدادها لقبول المال مقابل التنازل.


المشكلة ليست في أن كل حادث مميت جريمة عمدية، ولا في أن كل سائق يتسبب في وفاة يستحق العقوبة نفسها. هناك فرق بين حادث لا يمكن تفاديه، وبين قيادة برعونة وسرعة جنونية، أو تحت تأثير المخدرات، أو بلا رخصة، أو في سباق على الطريق. لكن هذا الفرق يجب أن ينعكس في عقوبات تتناسب مع جسامة السلوك، وعدد الضحايا، والخطر الذي تجاهله السائق.


المادة 238 من قانون العقوبات المصري تعاقب على القتل الخطأ بالحبس، وتشدد العقوبة في ظروف معينة، وقد تصل العقوبة إلى عشر سنوات عند اجتماع ظروف التشديد. لكن وجود عقوبات مشددة على الورق لا يكفي إذا كانت المنظومة التشريعية بحاجة إلى مراجعة تضمن تناسب الجزاء مع خطورة الفعل، وتمنع أن تتحول القيادة المتهورة إلى مغامرة قد تنتهي بموت إنسان، ثم بعقوبة لا تحقق الردع الكافي.


ولننظر إلى الخارج: في إنجلترا وويلز، قد تصل عقوبة التسبب في الوفاة بالقيادة الخطرة إلى السجن المؤبد، وتتدرج العقوبات الإرشادية من سنتين إلى 18 سنة وفقًا لجسامة السلوك والظروف. وفي الولايات المتحدة، تختلف العقوبات من ولاية إلى أخرى، وتُعامل حالات كثيرة من التسبب في الوفاة بالمركبات بوصفها جرائم جنائية مستقلة، وقد تشتد العقوبة مع القيادة المتهورة أو تحت تأثير الكحول والمخدرات.


لسنا مطالبين بنسخ قوانين الآخرين حرفيًا، بل بإقرار قانون مصري أكثر عدالة وردعًا، يميز بوضوح بين الخطأ العارض والاستهتار الجسيم بالأرواح، ويشدد العقوبة عند القيادة تحت تأثير المخدرات أو الكحول، والسرعة الخطرة، والقيادة دون ترخيص، وتعدد الضحايا، مع ضمان تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.

نطالب المشرّع بأن يتحرك، وأن يعيد النظر في عقوبات القتل بالسيارات، وأن يجعل سحب الرخصة والمنع من القيادة والعقوبات السالبة للحرية أدوات حقيقية لحماية الناس، لا مجرد نصوص تتفاوت آثارها من قضية إلى أخرى. ونطالب كذلك بألا يكون التنازل المدني أو التصالح سببًا في إهدار مقتضيات الردع العام، وأن تُحمى أسر الضحايا من أي ضغوط تستغل فقرها أو حزنها لانتزاع تنازلات لا تريدها.

فحياة المصريين ليست تعويضًا ماليًا، وأرواح أبنائهم ليست أرقامًا في محاضر الحوادث، والصلح بين أسرتين لا يمحو حق المجتمع في منع تكرار المأساة.

في مصر المفروسة، لا نريد أن يصبح السؤال بعد كل حادث: كم سنة سيقضي المتهم في السجن؟ بل نريد أن نسأل قبل الحادث: ما الذي فعله القانون كي لا يجرؤ أحد على تحويل سيارته إلى آلة للموت؟

الجريدة الرسمية