لماذا تكرهنا الحكومة؟
لم يعد المواطن المصري يعرف ماذا بقي له من الأشياء البسيطة التي تجعل الحياة محتملة. شجرة تُقتلع، حديقة تختفي، رصيف يضيق، مساحة خضراء تتحول إلى خرسانة، ومكان كان يستطيع فيه الإنسان أن يجلس مع أسرته أو يمشي قليلًا أو يلتقط أنفاسه دون أن يدفع جنيهًا واحدًا، يصبح فجأة شيئًا من الماضي.
وكأن المواطن لم يعد له حق حتى في الأشياء التي وهبها الله للناس بلا مقابل: ظل شجرة، وهواء نقي، ومساحة من الجمال، ومكان يهرب إليه من ضغوط الحياة. وهنا لا يعود السؤال: لماذا قُطعت هذه الشجرة؟ وإنما يصبح السؤال أكبر وأشد مرارة: لماذا تختفي من حياة المصري كل المساحات التي كان يستطيع أن يلتقط فيها أنفاسه؟
المفارقة أن الدولة تتحدث كثيرًا عن الرياضة ومحاربة السمنة وبناء الإنسان والحفاظ على الصحة العامة، وتطالب المصري بأن يتحرك ويمارس الرياضة ويحافظ على صحته، بينما المدينة التي يعيش فيها لا تمنحه أبسط شروط الحياة الصحية.
أين يمارس المواطن الرياضة؟ في شارع مزدحم بالسيارات؟ على رصيف احتلته السيارات والمحال؟ في حديقة اختفت؟ أم في نادٍ أصبحت عضويته تحتاج إلى ثروة؟ أم في مركز رياضي عليه اشتراك شهري لا تستطيع الأسرة محدودة الدخل أن تتحمله؟ كيف نطلب من المصري أن يحارب السمنة ونحن نحاصره بالخرسانة والسيارات والحرارة، ونترك له أقل قدر ممكن من المساحات التي يستطيع أن يمشي أو يجري أو يجلس فيها؟
الأمر لا يتعلق بالراحة وحدها. المساحات الخضراء ليست مجرد رفاهية أو منظر جميل نضعه في الصور. هناك دراسات في علم النفس والبيئة الحضرية تربط وجود الأشجار والحدائق والمساحات الخضراء بتحسن الصحة النفسية وانخفاض التوتر والضغوط، بينما يؤدي الحرمان من هذه المساحات إلى زيادة الإحساس بالإجهاد والاختناق النفسي.
وعندما يختفي اللون الأخضر من المدينة، وتختفي معه الحدائق والأشجار وأماكن التنفس، فإن الإنسان يفقد أحد أهم منافذ التفريغ النفسي الطبيعي. المواطن الذي يعيش تحت ضغط اقتصادي واجتماعي مستمر يحتاج إلى مساحة يخرج إليها، ويمشي فيها، ويرى فيها شيئًا جميلًا، ويجلس فيها بعيدًا عن الزحام والضوضاء.
أما أن تحاصره الخرسانة من كل جانب، وتختفي المساحات الخضراء، ولا يجد متنفسًا ولا مكانًا للترفيه، فإن الكبت يتحول إلى غضب، والغضب يتراكم، والمجتمع كله يصبح أكثر توترًا وقابلية للعنف والانفجار. وليس من الصعب أن نفهم لماذا أصبحت بعض مظاهر العنف والجرائم الغريبة على المجتمع تثير صدمة الناس؛ فالإنسان الذي يعيش تحت ضغط دائم يحتاج إلى منافذ طبيعية لتفريغ توتره، وإذا أغلقت كل المنافذ، فإن القهر لا يختفي، وإنما يبحث عن طريق آخر للخروج.
والمصري اليوم لا يعيش تحت ضغط واحد حتى نقول له: اصبر. هو يعيش تحت ضغوط متراكمة من كل اتجاه. أسعار الخدمات ترتفع، وفواتير الكهرباء والمياه تثقل كاهل الأسرة، والمواصلات تلتهم جزءًا أكبر من الدخل، والعلاج أصبح همًا يؤرق الأسرة، والتعليم يستنزفها، والطعام والاحتياجات الأساسية تزداد كلفة. ثم يخرج المواطن من بيته فيجد شارعًا يعذبه المشي فيه، وشمسًا لا ترحم، وظلًا اختفى بعد أن اقتُلعت الأشجار، وزحامًا لا ينتهي، وضوضاء لا تهدأ. ثم يعود إلى بيته ليجد فواتير جديدة تنتظره. فأين يذهب بكل هذا القهر؟
حتى البيت لم يعد دائمًا ملاذًا من الضغط، والشارع لم يعد متنفسًا، والحديقة اختفت، والنادي أصبح مكلفًا، والخروج مع الأسرة أصبح يحتاج إلى حسابات، والسفر رفاهية، والعلاج عبء، والمواصلات عبء، وفاتورة الكهرباء عبء، وفاتورة المياه عبء.
وفي الوقت نفسه، تتغير ملامح الشوارع من حول المواطن بصورة لا يملك التحكم فيها، ويجد نفسه أمام أعداد كبيرة من اللاجئين والوافدين من جنسيات وثقافات مختلفة، يعيشون في مناطق عديدة من المدن المصرية، بينما المواطن نفسه يشعر أنه يفقد تدريجيًا قدرته على الوصول إلى الخدمات والمساحات والفرص التي اعتاد أن يعتبرها جزءًا من حياته.
القضية هنا ليست كراهية أحد أو رفض إنسان بسبب جنسيته، وإنما شعور المواطن بأن كل هذه التغيرات تحدث حوله بسرعة، وأنه لا يملك حتى فرصة السؤال عن حدود ما يستطيع احتماله أو كيف ستنعكس هذه الضغوط على حياته ومستقبل أبنائه.
وهكذا تتراكم الضغوط فوق بعضها: غلاء، وفواتير، ومواصلات، وعلاج، وتعليم، وحرارة، وزحام، واختفاء الأشجار، وتراجع الحدائق، وانحسار المساحات العامة، وغياب أماكن الترفيه المجاني، وشعور متزايد بأن المواطن مطالب بأن يدفع ويتحمل ويصبر في كل اتجاه. وعندما يعيش الإنسان طويلًا تحت الإحساس بأنه محاصر، من دون متنفس، ومن دون مساحة للجمال، ومن دون مكان يهرب إليه من ضغوط يومه، فإن المسألة لا تعود مجرد ضيق مادي؛ إنها تتحول إلى حالة نفسية واجتماعية عامة.
نحن نطلب من المواطن أن يكون هادئًا في الوقت الذي لا نترك له فيه شيئًا يهدئه. نطلب منه أن يكون إيجابيًا بينما كل يوم يحمل إليه فاتورة جديدة. نطلب منه أن يمارس الرياضة بينما نزيل المساحات التي يمكنه أن يمارس فيها الرياضة. نطلب منه أن يحافظ على صحته بينما نقتلع الأشجار التي تمنحه الظل ونتركه يمشي تحت حرارة لا ترحم. نطلب منه أن يخرج ويستمتع مع أسرته بينما تتحول كل مساحة للترفيه إلى نشاط له تكلفة. ثم نستغرب عندما يصبح الناس أكثر عصبية، وأكثر توترًا، وأقل احتمالًا لبعضهم البعض.
والأخطر أن المواطن بدأ يشعر أن القهر أصبح في كل شيء حوله. يدفع أكثر، يحصل على أقل، يعمل أكثر، ويجد أن قدرته على الاستمتاع بما تبقى من حياته تتراجع. حتى الأشياء التي لا تحتاج إلى ميزانية اختفت أو في طريقها إلى الاختفاء. الشجرة لا تحتاج إلى راتب، والحديقة العامة لا تحتاج إلى بطاقة ائتمان، والمشي تحت الظل لا يحتاج إلى اشتراك، والجلوس في مساحة خضراء لا يحتاج إلى حجز مسبق. فلماذا ننتزع من الناس حتى هذه الأشياء البسيطة؟
المواطن لا يطلب رفاهية مستحيلة. هو لا يريد أن يعيش في مدينة من الخيال، ولا يرفض التطوير، ولا يعترض على المشروعات. هو يريد فقط أن يكون الإنسان حاضرًا في حسابات التطوير. يريد شجرة حين لا توجد ضرورة لاقتلاعها، وحديقة عامة، ورصيفًا يستطيع المشي عليه، ومساحة يستطيع أن يخرج إليها مع أسرته، وتعليمًا يشعر فيه أن ابنه المصري له الأولوية، وعلاجًا لا يخيف الأسرة، ومواصلات لا تلتهم الدخل، وخدمات لا تتحول كل زيادة فيها إلى أزمة جديدة.
والغضب من كل هذا ليس كراهية للوطن. بالعكس، الإنسان يغضب لأنه يحب المكان الذي يعيش فيه، ويغضب لأنه يريد أن يرى أبناءه يعيشون فيه بكرامة. المصري الذي يرفض اقتلاع شجرة لا يرفض التطوير، والذي يسأل عن اختفاء الحدائق لا يبحث عن مشكلة، والذي يحتج على ارتفاع تكاليف الحياة لا يكره الدولة. هو فقط يقول: لقد أصبح الحمل ثقيلًا جدًا، ولم يعد لدينا حتى مكان نذهب إليه لنلتقط أنفاسنا.
الوطن ليس مباني وطرقًا وكباري فقط. الوطن أيضًا ظل شجرة، وحديقة مفتوحة، وشارع يمكن أن تمشي فيه بأمان، ومساحة يستطيع الطفل أن يلعب فيها، ومكان تستطيع الأسرة أن تجلس فيه دون أن تدفع، وأمل يجعل الشاب يفكر في بناء مستقبله هنا بدلًا من البحث عن طائرة تأخذه إلى مكان آخر. الدولة التي تريد من أبنائها الانتماء عليها أن تمنحهم أسبابًا للانتماء، والدولة التي تريد منهم الصبر عليها أن تريهم أن صبرهم يقود إلى حياة أفضل، لا إلى مزيد من الأعباء.
لقد تحمل المصريون كثيرًا، وصبروا كثيرًا، ودفعوا كثيرًا، لكن الصبر نفسه يحتاج إلى نافذة، والضغط يحتاج إلى متنفس، والإنسان يحتاج إلى لحظة يرى فيها شيئًا جميلًا حتى يستطيع أن يكمل. فإذا أغلقت في وجهه كل النوافذ، وأزيلت الأشجار، واختفت الحدائق، وضاقت الشوارع، وارتفعت الفواتير، وزادت تكلفة العلاج والمواصلات والتعليم، وأصبح الخروج والترفيه والرياضة كلها تحتاج إلى مال، ثم طلبنا منه بعد ذلك أن يكون هادئًا وسعيدًا وإيجابيًا، فنحن نطلب منه ما يتجاوز طاقته الإنسانية.
ولهذا فإن السؤال لم يعد عن شجرة أو حديقة أو فاتورة كهرباء أو سعر مواصلة أو تكلفة علاج. هذه كلها تفاصيل في صورة أكبر. الصورة هي مواطن يشعر أن القهر يحيط به من كل جانب، وأنه لا يجد متنفسًا ماديًا ولا نفسيًا، وأن الأشياء التي كانت تمنحه قدرًا بسيطًا من الراحة والجمال تختفي من حوله واحدة بعد أخرى. وهذا الشعور إذا استمر لا يصنع مجتمعًا هادئًا، وإنما يصنع مجتمعًا متوترًا، غاضبًا، سريع الانفجار، فاقدًا للإحساس بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
نحن لا نكره مصر، ولا نريد لها إلا الخير. لكننا نريد أن نفهم: لماذا أصبح المواطن هو الذي يدفع ثمن كل شيء تقريبًا، بينما تتراجع أمامه حتى أبسط حقوق الحياة؟ لماذا يُطلب منه أن يكون صحيحًا ولا نوفر له مكانًا يمارس فيه الرياضة؟ لماذا يُطلب منه أن يكون سعيدًا ولا نترك له مساحة للجمال؟ لماذا يُطلب منه أن يصبر بينما الضغوط تأتيه من كل اتجاه؟ ولماذا يصبح كل شيء حوله أكثر صعوبة، بينما الأشياء القليلة التي كانت تمنحه متنفسًا تختفي؟
قد تكون لدى الحكومة أسبابها، وقد تكون لديها حساباتها، وقد تكون هناك مبررات لكل قرار. لكن المواطن لا يعيش داخل البيانات الرسمية؛ المواطن يعيش في الشارع، ويمشي تحت الشمس، ويدفع الفواتير، ويشتري الدواء، ويدفع المواصلات، ويحاول أن يوفر تعليمًا لأبنائه، ثم يعود إلى بيت لا يجد فيه دائمًا ما يكفيه من الراحة. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، والذي لم يعد مجرد غضب عابر أو شكوى عابرة، هو: لماذا تكرهنا الحكومة كل هذا الكره؟
