رئيس التحرير
عصام كامل

الأزهر لا يغيب

18 حجم الخط

الأزهر لا يغيب.. لكن يبدو أن وزارة الأوقاف قررت -في واقعة تستحق التوقف- أن تبحث عن الخبرة الدينية خارج مصر، بينما تقف أمامها مؤسسة ظل العالم الإسلامي لأكثر من ألف عام يأتي إليها طلبًا للعلم. هنا لا تصبح القضية في اسم الجهة التي وقعت معها الوزارة بروتوكول التعاون، ولا في شخص من يمثلها، وإنما في السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا تحتاج مصر أصلًا إلى الاستعانة بخبرة خارجية في تأهيل دعاتها، والأزهر حاضر؟

«إذا حضر الماء بطل التيمم».. ومصر لديها الماء. لديها الأزهر الشريف، الذي لم يكن مجرد جامعة دينية، وإنما مدرسة علمية امتد تأثيرها إلى العالم الإسلامي كله. علماء وطلاب من مختلف البلاد جاءوا إلى القاهرة ليتعلموا الفقه وأصوله، والحديث والتفسير واللغة والعقيدة، ثم عاد كثير منهم إلى أوطانهم أئمة ودعاة وشيوخًا ومراجع دينية. 

هؤلاء لم يأتوا إلى مصر كي يتعلموا كيف يصبحون دعاة في دورة تدريبية؛ جاءوا إلى الأزهر لأن الأزهر كان هو المعلم. فكيف تنقلب الصورة داخل بلد الأزهر؟ كيف تصبح وزارة الأوقاف هي التي تستعين بجهة خارجية في مجال يتصل مباشرة بتأهيل الدعاة وتطوير الخطاب الديني؟ هنا تحديدًا يصبح الأمر أكبر من بروتوكول تعاون، وأبعد من عبارات «تبادل الخبرات» و«تنظيم البرامج والندوات».

لا أحد يعترض على أن تتعاون مصر مع العالم، ولا على أن تستفيد من أي تجربة ناجحة. لكن هناك فارقًا بين أن تتبادل الخبرات وبين أن تتصرف وكأن الخبرة التي تحتاج إليها غير موجودة في بيتها. فإذا كانت وزارة الأوقاف تريد تطوير أداء الدعاة، فلماذا لا يكون الأزهر هو نقطة البداية؟ 

وإذا كانت هناك تجربة تستحق الاستفادة، فلماذا لا تُدرس داخل المؤسسات العلمية المصرية ويستفيد منها علماء الأزهر وخبراؤه؟ وما الذي وجدته الوزارة في الخارج ولا تستطيع المنظومة الدينية المصرية تقديمه؟

هذه الأسئلة ليست تشكيكًا في أحد، وإنما دفاع عن مكانة مصر. لأننا لا نتحدث عن تدريب إداري أو تقني، وإنما عن تكوين الداعية وصناعة الخطاب الديني؛ وهي منطقة لا يجوز أن تمر فيها الشراكات بلا وضوح: ما الذي سيُدرَّس؟ ومن يضع المادة؟ ومن يراجعها؟ وما حدود الدور الذي سيقوم به الطرف الآخر؟

لكن السؤال الأكبر يظل قائمًا: كيف تقبل وزارة الأوقاف أن تبدو مصر، صاحبة الأزهر، وكأنها تحتاج إلى من يأتي ليشاركها تأهيل دعاتها؟

مصر ليست دولة بلا تاريخ ديني تبحث عن خبرة تستوردها. مصر هي التي خرج منها علماء إلى العالم الإسلامي، وهي التي استقبلت طلاب العلم من مختلف البلاد، وهي التي ظل الأزهر فيها قرونًا طويلة منارة يقصدها من يريد أن يتعلم علوم الإسلام.

ولهذا فإن الاستعانة بخبرة خارجية في هذا المجال لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تفصيلة إدارية. إنها تمس صورة مصر ومكانة الأزهر، وتفتح سؤالًا مؤلمًا عن مدى ثقة مؤسساتنا فيما تملكه من علم وخبرة وتاريخ. يمكن لمصر أن تتعلم من الجميع، فهذا ليس عيبًا. لكن الانفتاح على العالم لا يعني أن تنسى موقعك فيه. والتعاون لا يعني أن يتحول صاحب المدرسة إلى طالب فيها.

الأزهر لا يحتاج إلى أن نمنحه شهادة في تاريخه؛ تاريخه هو الذي منح مصر جزءًا كبيرًا من مكانتها في العالم الإسلامي. ولذلك فإن تطوير الدعوة المصرية يجب أن يبدأ من الاعتراف بهذه الحقيقة، ثم البناء عليها، لا التعامل معها وكأنها إرث من الماضي يمكن تجاوزه ببروتوكول جديد.

المشكلة إذن ليست في «طابة»، ولا في شخص، ولا في جنسية مؤسسة. المشكلة في قرار وزارة الأوقاف، وفي الرسالة التي يبعث بها هذا القرار. فإذا كان الأزهر حاضرًا، فلماذا نبحث عن غيره؟ وإذا كانت مصر تملك المدرسة التي جاء إليها علماء العالم الإسلامي ليتعلموا، فكيف أصبحت اليوم في حاجة إلى من يشاركها تأهيل دعاتها؟

الأزهر لا يغيب.. لكن السؤال: لماذا تتصرف وزارة الأوقاف أحيانًا وكأنه غائب؟

الجريدة الرسمية