رئيس التحرير
عصام كامل

داليا جمال تحقق: وزارة الكهرباء تهدر 100 مليون جنيه من أموال الغلابة على فريق كرة القدم.. تحسين الشبكات وخفض الفقد ورفع كفاءة الخدمة “أولويات غائبة” (مستندات)

وزارة الكهرباء
وزارة الكهرباء
18 حجم الخط

المواطن في مصر يعرف جيدًا أن شركات الكهرباء لا تنسى جنيهًا واحدًا في فاتورته، تحاسبه على الاستهلاك، وعلى الشرائح، وعلى المتأخرات، وعلى رسوم نظافة لا يراها في الشارع، وعلى خدمات لا يحصل عليها، وتطالبه بالسداد في موعده، ولو تأخر عن السداد يومًا واحدًا يدخل في دوامة طويلة، وإذا اعترض على قراءة عداد أو قيمة فاتورة هيشوف النجوم في عز الظهر، فعند شركات الكهرباء كل وات له حساب، وكل جنيه له خانة، وكل تأخير له تبعات.
لكن عندما ننتقل إلى الجانب الآخر من العداد، يبدو أن الحساب يصبح أكثر مرونة!
فمستند للجهاز المركزي للمحاسبات يفتح ملفًا شديد الخطورة حول أموال شركة القناة لتوزيع الكهرباء، وما تحملته الشركة لصالح نادي كهرباء الإسماعيلية، من مبالغ وصلت إلى عشرات الملايين، في صورة مرتبات للاعبين، ومواد غذائية، وشراء لاعبين، وسداد ضرائب كسب العمل، بينما كان من المنتظر أن يصل الدعم لموسم كروي واحد إلى نحو 100 مليون جنيه.

وهنا لا يصبح السؤال: لماذا تدعم الشركة الرياضة؟
السؤال الأكثر إلحاحًا هو:
هل أموال شركة توزيع الكهرباء مخصصة لتوصيل الكهرباء وتحسين الشبكات وخفض الفقد ورفع كفاءة الخدمة، أم أصبحت أيضًا مصدر تمويل لكرة القدم الاحترافية؟

ماذا قال مستند الجهاز المركزي للمحاسبات؟
المستند يكشف أن حساب الأرصدة المدينة تضمن نحو 58.177 مليون جنيه مستحقة على نادي كهرباء القناة، مقابل نحو 35.236 مليون جنيه في العام السابق.
والأخطر أن المستند يحدد أوجه هذه المبالغ: مرتبات ومواد غذائية للاعبين، وشراء لاعبين جدد، وسداد ضرائب كسب العمل.
أي أن الأمر لم يكن مجرد نشاط اجتماعي للعاملين، وإنما إنفاق على عناصر أساسية في النشاط الكروي.

ويشير المستند كذلك إلى أن الشركة قامت خلال الفترة من 1 يوليو 2024 حتى يونيو 2025 بصرف نحو 32.9 مليون جنيه على النادي.
ثم يأتي رقم آخر أكثر إثارة: موافقة مجلس إدارة الشركة في جلسته رقم (9) بتاريخ 19 مايو 2025 على مساهمة للنادي بمبلغ 10 ملايين جنيه.
وفي المستند أيضًا عرض لمساهمة للشركة بمبلغ 60 مليون جنيه، مع الإشارة إلى دعم متوقع خلال الموسم الكروي 2025/ 2026 بنحو 100 مليون جنيه تمهيدًا لعرضه على الجمعية العامة للاعتماد.

ماذا يعني هذا الكلام؟
يعني ببساطة أن شركة تعمل في  توزيع الكهرباء تحملت أعباء مالية مرتبطة بنادٍ رياضي، بينها شراء لاعبين ورواتب ونفقات غذائية وضرائب.
وهنا تظهر أول علامة استفهام:
ما العلاقة بين شراء لاعب كرة قدم وبين نشاط توزيع الكهرباء؟
شركة الكهرباء تحتاج إلى محولات وكابلات وعدادات وشبكات وصيانة ومعدات وأنظمة قياس وتحكم، أما شراء اللاعبين ورواتبهم وضرائبهم، فهي مصروفات تخص نشاطًا رياضيًا.
وقد يكون للشركة الحق في دعم أنشطة معينة وفق الأطر القانونية والقرارات المعتمدة، لكن ذلك لا يلغي السؤال الأهم: هل الإنفاق تم وفق الموافقات والقواعد المقررة؟ وهل يمثل أولوية رشيدة لشركة تقدم خدمة أساسية للمواطن؟
والجهاز المركزي للمحاسبات نفسه أشار إلى نقطة شديدة الأهمية: أن النادي ذو شخصية اعتبارية مستقلة وفق قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017.

إذن نحن أمام كيان مستقل قانونيًا، وليس مجرد قسم من أقسام شركة الكهرباء.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
لماذا تتحمل شركة توزيع الكهرباء كل هذه الأعباء عن كيان له شخصيته الاعتبارية المستقلة؟
والأخطر.. أين الأولويات؟
لنفترض أن الإنفاق على النادي تم وفق الإجراءات القانونية.
هل هذا يعني أن الموضوع انتهى؟
لا.

لأن القانون شيء، وكفاءة إدارة المال شيء آخر.
عندما تكون شركة توزيع الكهرباء أمام احتياجات هائلة لتحسين الشبكات وتقليل الفقد ورفع جودة الخدمة، يصبح من حق المواطن أن يسأل عن ترتيب الأولويات.
فبحسب البيانات التي استند إليها التحقيق، تبلغ نسبة الفقد في شركة القناة نحو 18%.
وهذا رقم لا يمكن المرور عليه مرور الكرام.
فالفقد يعني كهرباء تدخل منظومة التوزيع ولا تتحول بالكامل إلى طاقة يتم تحصيل قيمتها، وله أسباب فنية وتجارية متعددة.
وبالتالي فإن كل جهد ناجح في خفض الفقد يعني تحسينًا في كفاءة المنظومة.
هنا تحديدًا يصبح السؤال موجعًا:
إذا كانت الشركة لديها مشكلة فقد تقارب 18%، فلماذا لا تكون الأولوية المطلقة لكل جنيه متاح هي خفض هذا الفقد؟
لماذا لا تذهب الأموال إلى إحلال الشبكات؟
إلى المحولات؟ إلى الكابلات؟ أو حتى إلى أنظمة القياس؟ أو إلى مواجهة سرقات التيار؟ أو إلى تحسين التحصيل؟ أو إلى تطوير خدمة المواطنين؟
بدلًا من تمويل شراء لاعبين ودفع رواتبهم وضرائبهم؟

المواطن يدفع.. والشركة تنفق
المفارقة التي تستحق التحقيق ليست فقط في قيمة المبالغ.
المفارقة في ازدواجية الحساب.
فشركة الكهرباء تستطيع أن تعرف استهلاك المواطن بدقة، وتحاسبه على كل شريحة، وتطالبه بكل مستحقاتها.
المواطن الذي استهلك كهرباء إضافية لإنارة غرفة لا يملك رفاهية أن يقول: «اعتبروا هذه اللمبة دعمًا».
لكن الشركة تستطيع أن تنفق ملايين الجنيهات في نشاط خارج صميم مهمتها، ثم يصبح السؤال عن الأولويات أمرًا ثانويًا!
المواطن يُحاسب على اللمبة الـ5 وات.. والشركة مطالبة بأن تجيب عن عشرات الملايين.
المواطن إذا أخطأ في فاتورته يبحث عن حقه بين مكاتب خدمة العملاء.
أما ملايين الجنيهات الخارجة من خزينة الشركة، فيجب أن يبحث المواطن عنها في الميزانيات والملاحظات الرقابية.
المواطن ممنوع عليه أن يترك جنيهًا مستحقًا.
فهل يجوز أن تخرج من الشركة ملايين ليست مرتبطة مباشرة بالكهرباء بينما توجد في المقابل احتياجات أساسية لم تُحل؟

ليست المشكلة في كرة القدم. لا أحد يعترض على الرياضة. ولا أحد يعترض على وجود نادٍ للعاملين. ولا أحد يطالب بإلغاء النشاط الاجتماعي أو الرياضي، لكن هناك فرقًا هائلًا بين رعاية العاملين وبين الدخول في اقتصاديات كرة القدم الاحترافية: شراء لاعبين، ورواتب، ونفقات غذائية، وضرائب.
والسؤال هنا ليس عاطفيًا ولا رياضيًا. إنه سؤال إدارة مال عام وخدمة عامة:
هل شركة توزيع الكهرباء هي المكان الصحيح لتحمل هذه التكلفة؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فلتشرح الشركة للمواطن لماذا. وإذا كانت الإجابة لا، فمن الذي سمح باستمرارها؟ أين تذهب أموال المشتركين؟
هذه الواقعة يجب ألا تُقرأ منفصلة عن بقية منظومة الكهرباء. نحن أمام مواطن يشتكي من قراءة عداد. ومواطن يعترض على فاتورة. ومواطن يدفع مقابل تركيب عداد وينتظر تركيبه. ومواطن يدخل في نزاع حول محضر سرقة تيار. ومواطن يشكو من انقطاع الكهرباء أو ضعف الجهد. ومواطن يسأل عن تعويض جهاز تلف. ومواطن لا يفهم تفاصيل ما يُخصم من شحن العداد مسبق الدفع.
وفي المقابل، هناك شركات توزيع لديها موارد ضخمة ومسؤوليات أكبر.
لذلك يجب أن تكون هناك إجابات واضحة عن أسئلة لا تخص شركة القناة وحدها:
كم أنفقت شركات توزيع الكهرباء على الأندية والأنشطة الرياضية خلال السنوات الأخيرة؟ وكم أنفقت على خفض الفقد؟
كم بلغت تكلفة أخطاء قراءات العدادات؟ كم عدد الفواتير التي جرى تصحيحها بسبب أخطاء القراءة؟ كم أعيد للمواطنين من أموال نتيجة هذه التصحيحات؟ كم عدد محاضر سرقة التيار التي أُلغيت أو عُدلت بعد تظلمات المواطنين؟ كم دفعت شركات التوزيع تعويضات عن تلف الأجهزة؟ وكم عدد الشكاوى التي أُغلقت ثم أعيد فتحها؟
هذه ليست أسئلة رفاهية، هذه أسئلة عن فلوس المواطن.

وفي النهاية.. من يدفع الثمن؟
المواطن الذي تطالبه شركة الكهرباء بترشيد الاستهلاك، من حقه أن يطالب الشركة أيضًا بترشيد الإنفاق.
المواطن الذي يُطلب منه دفع التكلفة الحقيقية للكهرباء، من حقه أن يعرف كيف تُدار الأموال التي يدفعها.
والمواطن الذي يُحاسب على كل «شارده وواردة» في فاتورته، من حقه أن يسأل عن كل مليون يخرج من الشركة.
فإذا كانت اللمبة الـ5 وات لها حساب.. فماذا عن الـ 58 مليون جنيه؟
وإذا كان كل جنيه في جيب المواطن له صاحب، فمن صاحب الملايين التي تخرج من شركة الكهرباء؟
والأهم:
هل الأولوية أن نشتري لاعبًا جديدًا.. أم أن نخفض 1% من الفقد؟
لأن المواطن لا يطلب المستحيل.
هو فقط يريد أن يعرف:
أمواله التي يدفعها مقابل الكهرباء.. هل تُنفق على الكهرباء؟

نقلا عن العدد الورقي

الجريدة الرسمية