رئيس التحرير
عصام كامل

كرامة المصريين ليست للفرجة

18 حجم الخط

أصابتني حالة من الغثيان والاشمئزاز وأنا أتابع محتوى ليوتيوبر مصرية من إحدى قرى الدقهلية، تصطحب جمهورها إلى الأراضي المقدسة لأداء العمرة، وتقدم نفسها في فيديوهاتها باعتبارها سيدة مدبرة تعرف كيف توفر نفقات الطعام، فتحمل معها من مصر البيض المسلوق والتونة والمقرمشات، حتى لا تضطر إلى شراء الطعام أثناء رحلتها.

 

قد يبدو الأمر في ظاهره حرصًا على المال، لولا أن الصورة، كما تكشفها المعلومات المتداولة عن صاحبة المحتوى، تثير تساؤلات أكبر بكثير من مجرد الرغبة في التوفير؛ فهي تحقق عوائد مالية من مشاهدات فيديوهاتها على تيك توك، وتملك منازل في قريتها، وفق المعلومات المتاحة عنها.


لكن الحكاية لا تتوقف عند حمل الطعام من مصر لتوفير نفقات الرحلة، فهذه حرية شخصية لا يحق لأحد مصادرتها أو السخرية منها. الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تمتد ثقافة التوفير إلى استغلال فرص الحصول على وجبات مجانية يوزعها فاعلو الخير على المعتمرين، فتقف صاحبة المحتوى في طوابير انتظارًا لوجبة مجانية، رغم ما يُذكر عن قدرتها المادية، ودون أن يبدو أنها ترى في هذا السلوك ما يستحق التوقف أو المراجعة، بل يصبح الأمر جزءًا من محتوى تعرضه على جمهورها.


هنا لا يعود السؤال عن الطعام، وإنما عن مفهوم الكرامة والتعفف، وعن الفارق بين التدبير المحمود الذي يحترم المال، وبين عقلية تسعى إلى اقتناص كل فرصة مجانية، حتى لو كانت هذه الفرصة مخصصة لمساعدة من هم أشد احتياجًا. فالوجبات التي يقدمها أهل الخير ليست مسابقة في اقتناص المكاسب، ولا فرصة إضافية لمن يستطيع شراء طعامه، وإنما صورة من صور التكافل، غايتها أن تصل المساعدة إلى من يحتاج إليها.


لسنا ضد التوفير، ولا نعيب على إنسان أن يحمل طعامه معه في السفر، ولا نتدخل في كيفية إنفاق الناس أموالهم. لكننا نرفض أن تتحول الرغبة في الحصول على كل شيء مجانًا إلى نموذج يُعرض على الناس باعتباره شطارة ونجاحًا في تدبير الحياة، بينما يغيب السؤال الأهم: هل أحتاج فعلًا إلى هذه الوجبة، أم أن هناك من هو أولى بها؟ وهل أصبح اقتناص الفرص، مهما كانت طبيعتها، مبررًا كافيًا للتخلي عن مراعاة الآخرين؟


إن القرآن الكريم يلفت أنظارنا إلى قيمة التعفف في قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾. إنها قيمة ترفع الإنسان حين يحفظ كرامته، ولا يجعل حاجته وسيلة للتفاخر أو استغلال عطاء الآخرين. وليس المقصود أن المحتاج الذي يقبل الصدقة ينتقص من كرامته، فالحاجة ليست عيبًا، والصدقة ليست منّة على الإنسان، وإنما المقصود أن التعفف يظل قيمة عظيمة، وأن استغلال ما خُصص للمحتاجين، مع القدرة على الدفع، يثير تساؤلات أخلاقية لا يصح تجاهلها.


والأسوأ أن صاحبة هذا المحتوى مصرية، تنشر هذه المشاهد بنفسها، وتقدمها إلى جمهور قد لا يعرف عنها سوى ما يراه على الشاشة. فكيف يمكن أن نفسر لمشاهد في الخارج أن هذا السلوك لا يمثل المصريين، وأن ملايين المواطنين يعتزون بأصولهم، ويحفظون ماء وجوههم، ولا يرون في استغلال الصدقات الموجهة للمحتاجين فرصة تستحق التفاخر؟ إننا لا نحمل شعبًا كاملًا مسؤولية تصرف فرد، لكننا لا نستطيع أيضًا تجاهل الأثر الذي تتركه الفيديوهات المتداولة في تشكيل الصورة الذهنية عن المجتمع.


الجنسية المصرية ليست مجرد وثيقة يحملها الإنسان، بل هوية نعتز بها، وتاريخ من الكرامة والكبرياء والعمل. وليس من المقبول أن تصبح هذه الهوية مرتبطة في أذهان الآخرين بمشاهد يختلط فيها التفاخر بالتوفير باستغلال فرص الطعام المجاني، ثم تُسوَّق هذه المشاهد باعتبارها مادة مسلية تستحق المشاهدة والتداول.


لقد جعلت منصات التواصل الاجتماعي من تفاصيل الحياة اليومية سلعة قابلة للبيع، وأصبح عدد المشاهدات معيارًا عند البعض، حتى لو كان الثمن هو تقديم سلوك يفتقر إلى الحساسية تجاه احتياجات الآخرين. وهنا تقع مسؤولية على الجمهور أيضًا؛ فليس كل ما يُنشر يستحق المشاهدة، وليس كل من يجيد جذب الانتباه يقدم محتوى يستحق الاحترام.


أما الدولة، فمسؤوليتها أن تطبق القانون على أي مخالفات تثبت، لا أن تعاقب الناس لمجرد اختلافها مع أسلوب حياتهم أو طريقة إنفاقهم. فالتصرف الذي نراه مستفزًا أخلاقيًا ليس بالضرورة جريمة قانونية، لكن إذا تضمن المحتوى مخالفة يعاقب عليها القانون، وجبت المحاسبة وفق قواعد واضحة وعادلة. وفي الوقت نفسه، علينا كمجتمع أن نرفض تحويل استغلال الصدقات إلى مادة للتفاخر، وألا نكافئ المحتوى المبتذل بمزيد من المشاهدات والأرباح.

كرامة المصريين ليست للفرجة، والصدقة ليست فرصة لاقتناص المكاسب، والتعفف ليس قيمة قديمة تجاوزها الزمن. فليس الإنجاز أن تعرف كيف تحصل على كل شيء مجانًا، وإنما أن تعرف متى تترك ما تستطيع شراءه لمن قد لا يستطيع. أما أن يتحول الحرص على المال إلى سباق على وجبة مجانية، ثم يصبح ذلك مادة للتفاخر أمام الملايين، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل: هل نحن أمام تدبير حقيقي، أم أمام ثقافة تختزل الشطارة في اقتناص الفرص، ولو كان غيرنا أولى بها.

الجريدة الرسمية