الغرفة التي ضاقت بأهلها!
كان يا ما كان، في قديم الزمان، رجل يعيش في غرفة صغيرة، ضاقت عليه حتى لم يعد يعرف أين يضع سريره، ولا أين يضع كرسيه، ولا كيف يتحرك داخلها دون أن يصطدم بشيء. كلما دخل غرفته شعر أن الجدران تقترب منه أكثر، وأن الهواء نفسه أصبح قليلًا، فقرر أن يذهب إلى رجل عُرف بالحكمة، لعله يجد عنده مخرجًا من هذا الضيق.
وقف الرجل أمام الحكيم وقال له: يا سيدي، غرفتي صغيرة، وحياتي أصبحت ضيقة، ولم يعد فيها متسع لي. استمع إليه الحكيم بهدوء، ثم قال له جملة جعلته يظن في البداية أن الرجل قد فقد عقله: «أدخل الديك إلى غرفتك». نظر الرجل إليه مذهولًا، وقال: «الديك؟! غرفتي لا تتسع لي، وتريدني أن أدخل فيها ديكًا؟» فقال الحكيم: «افعل ما أقول لك، ثم عد إليّ».
عاد الرجل إلى بيته، وأدخل الديك إلى الغرفة. في اليوم الأول حاول أن يحتمل، لكنه في اليوم التالي عاد إلى الحكيم وهو أكثر ضيقًا وقال: «ماذا فعلت بي؟! الديك يصيح منذ الفجر، ويمشي في كل مكان، وينثر الريش، ويقلب الأشياء، وأنا لم أعد أجد مكانًا أنام فيه!» ابتسم الحكيم وقال له: «إذن أدخل الخنزير أيضًا».
كاد الرجل يصرخ في وجهه: «خنزير؟! أنا أشكو إليك من الديك، فتضيف إليّ خنزيرًا؟» لكن الحكيم أصر، والرجل، وقد تعلق بأي أمل، أطاعه. دخل الخنزير إلى الغرفة، فتحولت حياة الرجل إلى فوضى كاملة. لم يعد هناك هدوء ولا نظافة ولا مكان فارغ، وأصبح الرجل يقضي وقته في محاولة حماية أثاثه وطعامه وملابسه من الخنزير، بينما الديك لا يتوقف عن الصياح.
عاد الرجل إلى الحكيم، وقد بلغ منه التعب مبلغًا، وقال: «أخرجني من هذه المصيبة، لم تعد الغرفة تصلح للحياة!» فقال الحكيم بكل هدوء: «أدخل البقرة». هذه المرة لم يجد الرجل ما يقوله. لكنه، وقد صار بينه وبين الحكيم حبل غريب من الطاعة والثقة، عاد إلى غرفته وأدخل البقرة.
وهنا تحولت الغرفة إلى جحيم حقيقي. بقرة ضخمة داخل مساحة ضيقة، وخنزير يعبث، وديك يصيح، والرجل يتحرك بينهم كما يستطيع، يبحث عن سنتيمتر واحد يضع فيه قدمه، ويحاول أن ينام فلا يجد، ويجلس فلا يجد، ويتنفس فلا يجد. وبعد أيام عاد إلى الحكيم وهو يكاد ينهار: «كفى! لقد قتلتني! لم تعد الغرفة تتسع لشيء، وأنا لا أستطيع أن أعيش هكذا!» عندها قال الحكيم: «اذهب وأخرج البقرة».
خرجت البقرة، فشعر الرجل أن جزءًا من الهواء قد عاد إلى صدره. ثم قال له: «أخرج الخنزير». أخرجه، فهدأت الفوضى. ثم قال له: «أخرج الديك». أخرجه، وأغلق الرجل باب غرفته، ثم وقف في منتصفها. نظر حوله طويلًا، إلى السرير والكرسي والطاولة والأشياء القليلة التي كان يملكها، ثم قال في دهشة: «يا إلهي! كم هي واسعة!».
لم تتحرك الجدران، ولم تتضاعف مساحة الغرفة، ولم يُبنَ متر واحد جديد، ولم يحصل الرجل على بيت آخر، لكنه اكتشف فجأة أن ما كان يملكه لم يكن ضيقًا كما كان يتصور، وأن الحكيم، بطريقته الغريبة، أراد أن يجعله يرى نعمته القديمة بعد أن ذاق الضيق الحقيقي. كان الحكيم رجلًا حكيمًا، وهدفه في النهاية أن يجعل الرجل يرضى بقسمته ونصيبه، وأن يعرف قيمة ما كان يراه قليلًا قبل أن يكتشف أنه أفضل بكثير مما ظن.
وهنا تنتهي الحكاية القديمة، لكن تبدأ حكاية أخرى أكثر قسوة، لأننا في مصر يبدو أننا أخذنا دور الحكيم، ولكننا غيّرنا مهمته تمامًا. الحكيم القديم كان يُدخل إلى الغرفة أشياء تزيد الاختناق، ثم يعود في النهاية فيُخرجها واحدًا وراء الآخر حتى يستعيد الرجل حياته ويشعر بقيمة ما لديه.
أما حكيمنا المصري، فقد بدا في أوقات كثيرة وكأنه أدخل الديك ثم الخنزير ثم البقرة، لكنه نسي أن يُخرجها! بل إن الغرفة كلما امتلأت بشيء، أُضيف إليها شيء آخر، وكلما صاح صاحبها من الضيق، قيل له: اصبر وتحمل، فالمرحلة صعبة، والظروف استثنائية، والإصلاح يحتاج إلى تضحيات، حتى أصبح المواطن المصري يصحو كل صباح وهو لا يعرف أي خبر جديد ينتظره، ولا أي قرار جديد سيجد نفسه مطالبًا بدفع ثمنه.
مرة يستيقظ على زيادة في أسعار الكهرباء، ومرة على زيادة في الغاز، ومرة على البنزين والسولار، ومرة على ارتفاع في أسعار المياه، ومرة يجد أن الطعام الذي كان يشتريه بالأمس أصبح يحتاج إلى حسابات جديدة، والدواء أصبح عبئًا، والمواصلات أصبحت فاتورة، والسكن تحول إلى معركة، والتعليم صار سباقًا لا يستطيع كل أب أن يدفع ثمنه.
لم يعد المواطن يتعامل مع زيادة واحدة، وإنما مع سلسلة من الزيادات التي تتوالى فوق بعضها، حتى أصبح الراتب يصل إلى البيت وهو يحمل آثار المعركة قبل أن يبدأ الشهر أصلًا.
وإذا كان الديك في الحكاية قد أيقظ الرجل من نومه بصياحه، فإن قرارات الأسعار أصبحت هي الديك الذي يوقظ المصري كل يوم بخبر جديد. وإذا كان الخنزير قد قلب أشياء الرجل داخل الغرفة، فقد قلبت الزيادات المتلاحقة حسابات الأسر، فأصبح الأب يعيد ترتيب احتياجات البيت مرة بعد مرة، ويحذف شيئًا ليشتري شيئًا، ويؤجل احتياجًا ليواجه احتياجًا أكثر إلحاحًا. وإذا كانت البقرة قد احتلت المساحة المتبقية في الغرفة، فقد جاءت أعباء أخرى لتحتل ما تبقى من قدرة المواطن على الاحتمال.
ثم دخل التوك توك إلى الغرفة.. دخل في البداية باعتباره حلًا بسيطًا لمشكلة المواصلات، وسيلة تصل إلى الأماكن التي لا تصل إليها السيارات، وتخدم الحارات والمناطق الضيقة والقرى والأطراف. لكن الديك الذي دخل ليحل مشكلة، تحول مع الوقت إلى جزء من المشكلة نفسها.
تكاثر التوك توك، وانتشر في الشوارع، وخرج من الأماكن التي صُمم لها إلى شوارع رئيسية وميادين مزدحمة، وأصبح المصري في بعض المناطق لا يعرف هل يسير في شارع أم وسط سباق مفتوح بين السيارات والتكاتك والموتوسيكلات والمشاة. وسيلة نقل جاءت لتخفيف الضغط، فإذا بها تضيف ضغطًا جديدًا، وتصبح قطعة أخرى داخل الغرفة التي بدأت تضيق بأهلها.
ثم جاءت مشكلة الأسعار، ولم تكتفِ بما فعلته. فالكهرباء ليست مجرد فاتورة كهرباء، والوقود ليس مجرد سعر في محطة البنزين، والغاز ليس مجرد رقم في فاتورة. عندما ترتفع تكلفة الطاقة، تتحرك الزيادة إلى المصنع، والمزرعة، والمخبز، والمطعم، والمحل، ووسيلة النقل، ثم تعود إلى المواطن في صورة أسعار أعلى. المواطن لا يدفع الزيادة مرة واحدة؛ يدفعها في عشرات الأشياء التي تدخل بيته كل يوم.
ثم جاءت الحكاية الأكبر: الهجرة واللجوء والإقامة الأجنبية بأعداد ضخمة. وهنا لم يعد الأمر يتعلق بديك أو خنزير أو بقرة، وإنما بواقع سكاني جديد يحتاج إلى حساب دقيق وقدرة حقيقية على التخطيط. وفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تجاوز عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر مليونًا وتسعين ألفًا في عام 2026، وكان السودانيون يمثلون الغالبية العظمى منهم.
وفي الوقت نفسه، تتحدث تقديرات منظمة الهجرة الدولية عن نحو تسعة ملايين مهاجر في مصر، وهو رقم أوسع من أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين، ويشمل فئات وجنسيات متعددة.
هذه ليست أرقامًا يمكن وضعها في تقرير ثم إغلاق الملف. كل رقم منها إنسان يحتاج إلى سكن، وطعام، ومياه، وطاقة، ومدرسة، وخدمات صحية، ومواصلات، وفرصة عمل. وعندما تتجمع ملايين الاحتياجات فوق موارد دولة تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية وسكانية وخدمية..
هنل يصبح السؤال واجبًا لا رفاهية: من حسب قدرة الغرفة قبل أن يفتح الباب؟ ومن وضع حسابًا لتكلفة هذه الزيادة؟ ومن درس تأثيرها على السكن والإيجارات والخدمات وسوق العمل؟ ومن يملك الشجاعة ليشرح للمواطن المصري أين يقف حقه في هذه المعادلة؟
المشكلة هنا ليست في أسماء الجنسيات، وإنما في إدارة دولة لمعادلة شديدة التعقيد. الدولة التي تعرف أن مواردها محدودة مطالبة بأن تعرف بدقة حجم ما تستطيع تحمله، وأن تضع المواطن في قلب حساباتها، لا على هامشها. لأن المواطن الذي يدفع فواتير الكهرباء والمياه، ويشتري الطعام والدواء، ويدفع الرسوم والضرائب، ويبحث عن مدرسة لابنه ومستشفى لأسرته وشقة تؤويه، ليس من حقه أن يسمع دائمًا أنه مطالب بمزيد من الصبر، بينما تتغير قواعد اللعبة من حوله دون أن يعرف إلى أين تقوده.
والأشد إيلامًا أن المواطن بدأ يشعر أحيانًا بأن هناك مزايا أو تخفيضات أو تسهيلات في بعض مسارات التعليم والرعاية والخدمات وفرص العمل متاحة لفئات من الوافدين، بينما يواجه هو، المواطن الذي وُلد على هذه الأرض، أبوابًا أكثر صعوبة للحصول على حقه الطبيعي.
وهنا يصبح السؤال أكثر مرارة: كيف يشعر المصري بأن بلده التي تحمل أعباءها طوال عمره أصبحت تطلب منه المزيد، بينما يرى أمامه أبوابًا تُفتح لغيره في مجالات كان ينتظر أن تكون الأولوية فيها لأبنائها؟
ومع كل ذلك، لم تتوقف الحكومة عند ما أدخلته بالفعل إلى الغرفة، بل بدا أنها لم تُزل كثيرًا مما وضعته فوق أكتاف المصريين. فالحكيم في الحكاية كان يعرف اللحظة التي يجب فيها أن يقول للرجل: انتهى الأمر، أخرج البقرة، ثم أخرج الخنزير، ثم أخرج الديك.
أما عندنا، فكل ما دخل الغرفة تقريبًا بقي فيها، وتحولت القرارات المؤقتة إلى واقع دائم، وتحولت الزيادات التي قيل إنها ضرورة إلى أرقام جديدة، وتحولت الإجراءات الاستثنائية إلى حياة عادية، حتى نسي المواطن نفسه كيف كانت حياته قبل أن تتراكم فوقه هذه الحمولة.
لقد انحنت أكتاف المصريين، ليس لأن المصري ضعيف، بل لأن الحمل أصبح ثقيلًا. أكتاف موظف يستيقظ كل صباح ليذهب إلى عمله، وأب يعمل ساعات إضافية حتى يستطيع أن يدفع مصاريف أبنائه، وأم تحاول أن تدبر ميزانية البيت بعد أن أصبح كل شيء أغلى، وشاب يبحث عن فرصة تمنحه بداية محترمة لحياته، وأسرة تؤجل احتياجاتها الأساسية لأن دخلها لم يعد قادرًا على اللحاق بالأسعار.
المصري لم يطلب حياة بلا أزمات، ولم يطلب دولة بلا تحديات، لكنه يريد أن يشعر أن القرارات التي تُتخذ باسمه تراعي قدرته على الاحتمال. يريد أن يعرف أن هناك سقفًا للزيادة، وحدًا للضغط، ونهاية للحمولة. يريد أن يشعر أن الدولة عندما تضع شيئًا فوق كتفيه، ستعرف أيضًا متى ترفعه عنه.
أما أن يستيقظ كل يوم على قرار جديد، ثم يكتشف أن القرار السابق لم يُلغَ، وأن الزيادة القديمة ما زالت قائمة، وأن العبء الجديد سيضاف إلى العبء القديم، فهذه ليست حكاية الحكيم الذي أراد أن يعلم الرجل الرضا بقسمته. هذه حكاية أخرى تمامًا؛ حكاية حكومة جعلت المواطن يعيش داخل غرفة تزدحم يومًا بعد يوم، ثم طلبت منه أن يثبت أنه قادر على التحمل.
والحقيقة أن المصري أثبت ذلك بالفعل. تحمل كثيرًا، وصبر كثيرًا، ودفع كثيرًا، وتأقلم مع أشياء لم يكن يتخيل يومًا أنه سيضطر إلى اعتبارها عادية. لكنه الآن يقف في منتصف الغرفة، يلتفت حوله فلا يجد مساحة كافية ليتنفس، ولا يعرف أي حمل سيأتي بعد ذلك، ولا متى ستتوقف عملية إدخال المزيد.
في الحكاية، كانت النهاية سعيدة؛ أُخرجت الحيوانات، واستعاد الرجل غرفته، واكتشف أن ما لديه كان يستحق الرضا.
أما نحن، فما زلنا ننتظر الحكيم الذي سيدخل يومًا إلى الغرفة المصرية ويقول: كفى.
سنُخرج التوك توك من الفوضى، ونراجع ما يمكن مراجعته، ونخفف عن المواطن ما يمكن تخفيفه، ونضع حدًا للزيادات التي أرهقت الناس، ونحسب تكلفة كل قرار قبل أن ندفع به إلى حياة المصريين، ونضع المواطن في مقدمة الحسابات لا في آخرها.
لأن الحكيم الحقيقي ليس من يعرف كيف يزيد الضيق، وإنما من يعرف كيف يرفع الحمل. ولأن السؤال لم يعد: هل يستطيع المصري أن يتحمل؟ لقد تحمل. السؤال الآن: متى تتوقفون عن زيادة الحمولة فوق أكتافه؟ ومتى يبدأ إخراج ما أدخلتموه إلى الغرفة؟ ومتى يصبح للمصري، أخيرًا، مكان يقف فيه داخل وطنه دون أن يشعر أن الجدران تضيق عليه كل صباح؟
خفّف تكرار صورة الغرفة والحيوانات.. وازن فقرة الوافدين بحقوق المصريين.. حوّل الأسئلة الختامية إلى مطلب واضح.
