رئيس التحرير
عصام كامل

كيف هزمنا في معركة لم نخضها؟!

18 حجم الخط

من حقنا أن نفخر ونعتز بانتصارات أكتوبر واستعادة الروح والأرض والكرامة.. لكن ذلك ينبغي ألا ينسينا دوافع الحرب ومسبباتها.. وهنا يثور سؤال: كيف تنهزم دولة وهي تملك جيشًا قادرًا على القتال؟ وهل الهزيمة دائمًا نتيجة تفوق العدو، أم قد تكون أحيانًا ثمرة قرار خاطئ وظرف لم يُتح للجنود فيه أن يقاتلوا؟ وكيف تتعامل الدول الحية مع أخطائها: هل تدفنها في النسيان، أم تستخرج منها دروسًا تبني بها مستقبلها؟

ربما لا توجد إجابة أبلغ من شهادة الرئيس الراحل محمد أنور السادات في خطاب النصر، حين تحدث عن تجربة عام 1967، لا باعتبارها مجرد ذكرى مؤلمة، وإنما درسًا في القيادة والمسؤولية وإعادة بناء القوة.

قال السادات: «كان في استطاعة هذه القوات سنة 1967 أن تحارب بنفس البسالة والصلابة التي تحارب بها اليوم، لو أن قيادتها العسكرية في ذلك الوقت لم تفقد أعصابها بعد ضربة الطيران التي حذر منها عبد الناصر.

لو أن تلك القيادة لم تصدر بعد ذلك قرارًا بالانسحاب العام من سيناء بدون علم عبد الناصر، إن هذه القوات لم تُعطَ الفرصة لتحارب دفاعًا عن الوطن وعن شرفه وعن تراثه، لم يهزمها عدوها، ولكن أرهقتها الظروف التي لم تُعطها الفرصة لتقاتل.

ولقد شاركت مع جمال عبد الناصر في عملية إعادة بناء القوات المسلحة، ثم شاءت لها الأقدار أن أتحمل مسؤولية استكمال البناء ومسؤولية القيادة العليا لها، إن القوات المسلحة المصرية قامت بمعجزة على أي مقياس عسكري».

هذه الشهادة ليست مجرد صفحة من تاريخ حربين؛ إنها درس في أن الجيوش لا تُقاس بالسلاح وحده، وأن القرار العسكري قد يصنع الفارق بين القدرة على المقاومة والانكسار. كما أنها تكشف أن النصر الذي تحقق في أكتوبر لم يكن وليد لحظة، وإنما ثمرة مراجعة قاسية للتجربة، وإعادة بناء للإنسان والسلاح والعقيدة والقيادة.

الدول الحية لا تخجل من أخطائها، لأنها تعرف أن إخفاء الخطأ يكرره، بينما دراسته وتحليله يحوله إلى معرفة وقوة. فالتاريخ ليس قصصًا تُحكى ولا حوادث تُروى، وإنما خبرة تتراكم، وعبرة تبني الوعي، ودروس تستنهض الهمم.

ويبقى السؤال: ماذا لو لم تُراجع تجربة 1967؟ وماذا لو لم تتحول مرارة الهزيمة إلى مشروع لإعادة بناء القوات المسلحة؟ وهل نتعلم اليوم من أخطائنا بالقدر نفسه الذي تعلمنا به بالأمس؟ وهل نمتلك الشجاعة الكافية لنسأل: أين أخطأنا، ولماذا أخطأنا، وكيف نضمن ألا يتكرر الخطأ؟

فالمستقبل لا تبنيه الدول التي تنسى ماضيها، وإنما تلك التي تعرف كيف تقرأه، وتفهمه، وتستخلص منه ما يجعلها أقوى.

الجريدة الرسمية