الأهم.. ماذا وصل إلى حياة الناس؟!
ملايين المشاهدات التي سجلها منتدى مصر الإلكتروني 2026 خلال أيام قليلة، ومئات الآلاف من الزيارات والمشاركات، إلى جانب ما تستقبله منظومة الشكاوى الحكومية من شكاوى وطلبات يومية، ليست مجرد أرقام، وإنما مؤشرات تستحق أن تقرأها الحكومة بعناية؛ لأنها تكشف حجم اهتمام المواطن بما يجري، ورغبته في أن يكون حاضرًا في النقاش، وأن تصل إليه نتائج ما تبذله الدولة من جهود.
وتستعد الحكومة لعقد مؤتمر تستعرض خلاله ما تحقق من إنجازات، وهي فرصة مهمة، لكن الأهم ألا يكون السؤال: ماذا أنجزت الحكومة؟ وإنما: ماذا وصل من هذه الإنجازات إلى حياة المواطن؟
فالمواطن الذي تحمل، ولا يزال، جانبًا كبيرًا من فاتورة الإصلاح الاقتصادي، يواجه يوميًا أعباء التعليم والصحة والغذاء والدواء والسكن والمواصلات، ويبحث قبل أي شيء عن قدر من الأمان في دخله وقدرته على تلبية احتياجات أسرته. وقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في مناسبات عدة أن المصريين تحملوا أعباء الإصلاح وصبروا على تداعياته.
من هنا، فإن المؤتمر المقبل يمكن أن يكون مناسبة لإعادة النظر في طريقة عرض الإنجاز نفسها؛ فلا يكفي أن نقول كم مشروعًا أُقيم، أو كم مليار جنيه أُنفق، وإنما ينبغي أن نجيب عن سؤال المواطن البسيط: ماذا تغير في حياتي؟
هل انخفضت تكلفة الحصول على التعليم؟ هل أصبحت الخدمة الصحية أكثر جودة وأقل كلفة؟ هل أصبح الدواء متاحًا؟ هل تحسنت القدرة الشرائية للدخل؟ هل أصبحت فرص العمل أكثر استقرارًا؟ وهل أدى التحول الرقمي فعلًا إلى اختصار الوقت والإجراءات وتقليل التكلفة؟
ولماذا لا تقدم كل وزارة، إلى جانب كشف إنجازاتها، خطة عاجلة لتخفيف الأعباء عن المواطنين، بأهداف محددة ومواعيد معلنة ومؤشرات يمكن قياسها؟ ولماذا لا تتحول منظومة الشكاوى الحكومية إلى أداة لصناعة القرار، بحيث لا تكتفي بحل الشكوى، وإنما تبحث عن سبب تكرارها وتعمل على إزالة جذورها؟
وفي مواجهة ارتفاع الأسعار، هل نركز على ضبط السعر النهائي فقط، أم نبحث في حلقات الإنتاج والتوزيع التي تصنع هذا السعر؟ وفي ملف الدخول، كيف يمكن أن يشعر المواطن بزيادة حقيقية في قدرته الشرائية، لا بزيادة اسمية تلتهمها الأسعار؟
الرؤية المطلوبة ليست إنكار ما تحقق، ولا تجاهل حجم التحديات التي تواجه الدولة، وإنما الانتقال من عرض الإنجاز إلى قياس أثره.. فكل مشروع يجب أن تكون له نتيجة يشعر بها المواطن، وكل سياسة يجب أن يكون لها أثر قابل للقياس، وكل شكوى متكررة ينبغي أن تتحول إلى سؤال على مكتب المسؤول.
المواطن لا يحتاج إلى أن تقنعه الحكومة بأن كل شيء أصبح على ما يرام؛ بل يحتاج إلى مصارحة واضحة: هذه مشكلاتنا، وهذه أولوياتنا، وهذه الإجراءات التي سنتخذها، وهذا موعد ظهور نتائجها. عندها فقط يصبح المواطن شريكًا في الإصلاح، ويصبح المؤتمر بداية لحوار حقيقي بين الدولة والمجتمع، لا مجرد مناسبة لاستعراض الأرقام.
فالإنجاز الحقيقي ليس ما تقوله الحكومة عن نفسها، وإنما ما يشعر به المواطن في بيته، وفي مدرسته، وفي المستشفى، وفي السوق، وفي قدرته على أن يعيش حياة أكثر أمنًا وكرامة.
