رئيس التحرير
عصام كامل

50 عامًا في مهنة البحث عن المتاعب (4-6)

18 حجم الخط

الصحافة هي المهنة الوحيدة فيما أعرف التي لا يعلو صاحبها بالمناصب، بل تتحدد قيمته بما تركه من سيرة ذاتية حافلة بالعطاء والكفاح والنجاح المهنى حتى ولو كان محررًا. فرغم أنني تركت الكرسي لكن بقي القلم وهو الأبقى للصحفي دائمًا أبدًا، لم أكن أعرف أن أصعب قرار يمكن أن يتخذه الإنسان أحيانًا ليس أن يتولى المسؤولية، وإنما أن يعرف متى يتركها.

 

جاءت أحداث يناير، ومعها لحظة لم تكن تشبه ما قبلها. مؤسسات تضطرب، ووجوه تتغير، ومطالبات برحيل القيادات الصحفية التي جاءت بها المرحلة السابقة. وفي تلك الأجواء، عقد الفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء آنذاك، اجتماعًا مع القيادات الصحفية القومية والحزبية والخاصة، وعدد من قيادات وسائل الإعلام.

 

وقلت أمام الجميع إنني تقدمت باستقالتي إلى رئيس المجلس العسكري ثلاث مرات، أنا والزميل عبد القادر شهيب، وكان الرد في كل مرة: ابقوا في مواقعكم، وهناك أربعة رؤساء تحرير فقط سيغادرون مواقعهم.

 

لكنني كنت قد اتخذت قراري. قلت للزملاء إن المرحلة الجديدة تحتاج إلى دماء جديدة، وإننا نستطيع باستقالتنا أن نسهم في استقرار البلد. ساد الصمت.. لم يتقدم أحد بالاستقالة غيري أنا وعبد القادر شهيب. أما الزميل عبد الله كمال فقال بوضوح: «لن أستقيل، وإذا أرادوا أن يقيلوني فليُقيلوني».

 

ومضت الأيام، وكانت استقالتنا تمهيدًا لإقالة بقية القيادات الصحفية التي كانت متمسكة بمواقعها. ولو عاد بي الزمن، لاتخذت القرار نفسه مرة أخرى، مهما كانت تبعاته. لم يكن الأمر بطولة، ولم أره يومًا كذلك. كان ببساطة قرارًا رأيت أنه ضروري في لحظة استثنائية. فالمنصب ليس ملكًا لصاحبه، والمؤسسة أكبر من أي شخص يجلس على كرسي فيها.

 

وأحيانًا يكون التقدم خطوة إلى الخلف هو الطريق الوحيد لكي تتحرك المؤسسة إلى الأمام. وعندما أنظر اليوم إلى الرحلة كلها، لا أتذكر المكاتب الكبيرة ولا الألقاب بقدر ما أتذكر الممرات وغرف الأخبار، وضجيج المطابع، ورائحة الورق، وقلق اللحظة التي تسبق صدور العدد.

 

أتذكر الصحفي الشاب الذي كان يركض وراء سبق، ويعرف أن خبرًا جيدًا يستحق أن يتعب من أجله. وأتذكر أول تحقيق نشر لي باسمي: «الأطباء يخطئون والقانون لا يعاقبهم». كان العنوان يومها مجرد بداية. لم أكن أعرف أن القلم الصغير الذي أمسكته في بدايات الطريق سيقودني إلى كل هذه المحطات.

 

تغيرت المكاتب، وتغيرت الألقاب، وتغيرت المسؤوليات، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: حب المهنة. وربما كانت هذه هي الحقيقة الأهم التي خرجت بها من نصف قرن في بلاط صاحبة الجلالة: أن المنصب ينتهي، والمكتب يتغير، والكرسي ينتقل إلى غيرك، لكن المهنة إذا سكنت الإنسان لا تغادره.

 

وحين أستعيد سنوات العمر، لا أشعر أنني عشت رحلة من منصب إلى منصب، وإنما رحلة طويلة وراء الصحافة. من أتوبيس يحمل محررًا شابًا إلى إحدى الوزارات، إلى مكاتب واسعة تحمل اسم رئيس مجلس الإدارة، ثم العودة مرة أخرى إلى المعنى الأول: صحفي يحمل قلمه ويبحث عن خبر.

 

ربما كانت تلك هي المفارقة الجميلة في الرحلة كلها. لقد بدأت أبحث عن الخبر، فوجدت نفسي بعد عقود أبحث عن معنى المهنة. واكتشفت أن قيمة الإنسان ليست في ارتفاع كرسيه، وإنما في الأثر الذي يتركه وهو جالس عليه، وفي الطريقة التي يغادر بها حين يحين وقت الرحيل.

ولهذا، إذا سألني أحد اليوم عن أجمل المناصب التي مررت بها، فلن أحتاج إلى التفكير طويلًا. سأعود إلى ذلك المحرر الشاب، إلى الأتوبيس الصباحي، إلى حقيبة الأوراق، إلى اللهفة الأولى، إلى اسمي مطبوعًا تحت خبر. هناك، قبل كل الألقاب، كانت الصحافة. وهناك، بعد كل الألقاب، بقيت الصحافة. وبين البداية والنهاية، ظل القلم هو الشيء الوحيد الذي لم يتقاعد.                                        

الجريدة الرسمية