رئيس التحرير
عصام كامل

كيف يصبح المواطن شريكا في الموقف والقرار؟!

18 حجم الخط

لم يقل الرئيس عبدالفتاح السيسي إن المسؤول مطالب بالكلام لمجرد الكلام، وإنما وضع أمام المسؤولين قاعدة أكثر عمقًا: أن الإحجام عن طرح وجهة النظر ليس أمرًا جيدًا، وأن الوصول إلى وحدة رأي ووحدة فهم مشترك لا يتحقق إذا ظل الحديث من طرف واحد. والأهم أنه ربط جودة القرار بحسن الإعداد له، وبالحوار المجتمعي الذي يسبق صدوره، حتى يكون المواطن مستعدًا لفهمه والتجاوب معه ودعمه.

 

هذه ليست مجرد دعوة إلى مزيد من المؤتمرات أو البيانات، وإنما تبدو أقرب إلى تصور مختلف للعلاقة بين الدولة والمجتمع: أن يعرف المواطن لماذا يُتخذ القرار، وما البدائل التي سبقت الوصول إليه، وما كلفته، وما الذي يمكن أن يترتب عليه، وأن يجد من يشرح له ويستمع إليه قبل أن يُطلب منه أن يتحمل نتائجه.

 

وهنا تبدأ الأسئلة الأصعب. هل تستطيع الحكومة الحالية، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أن تحول هذا التوجيه من فكرة معلنة إلى أسلوب دائم في صناعة السياسات؟ وهل يمتلك الوزراء والمسؤولون مساحة كافية لعرض وجهات النظر المختلفة قبل اتخاذ القرار؟ وهل توجد بالفعل آليات منتظمة للحوار المجتمعي، أم أننا لا نزال في كثير من الأحيان نعرف القرار بعد صدوره، ثم يبدأ البحث عن طريقة لشرحه؟

 

لا يتعلق الأمر بالحكومة وحدها. فالمسؤول الذي لا يتحدث يترك فراغًا تملؤه الشائعات والتفسيرات، والمسؤول الذي يتحدث بلغة لا يفهمها الناس لا يكون قد حقق الغرض من التواصل. وبين الصمت والإفراط في التصريحات، تبدو الحاجة إلى إعلام رسمي وحكومي أكثر قدرة على الشرح، وعلى الاعتراف بالمشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة ثقة.

 

وهذا يصبح أكثر إلحاحًا في اللحظة الإقليمية الراهنة. فالمنطقة تعيش ظروفًا شديدة التعقيد، مع استمرار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وتداعياته على أمن المنطقة والطاقة والممرات البحرية، بالتوازي مع اضطرابات متصاعدة في القرن الأفريقي، وتوترات جديدة في العلاقة بين مصر وإثيوبيا. وقد شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا دبلوماسيًا بين القاهرة وأديس أبابا، في وقت تتصاعد فيه المعارك داخل إثيوبيا وتزداد المخاوف من امتدادها إقليميًا.

 

في مثل هذه الظروف، أين يقف المواطن؟ هل المطلوب منه أن يتلقى الأخبار المتضاربة من مواقع التواصل، ثم ينتظر الرواية الرسمية؟ أم أن الدولة مطالبة بأن تضع أمامه الصورة التي تستطيع إعلانها، وأن تشرح ما يمكن شرحه، وأن تترك ما لا يمكن إعلانه في إطار واضح من دون أن تترك فراغًا معلوماتيًا واسعًا؟

 

وهنا يعود الإعلام إلى قلب المسألة. لقد سبق أن وجه الرئيس في مناسبات أخرى إلى أهمية الإعلام في تشكيل وعي المواطن، وعرض الآراء والاتجاهات، والاطلاع على الرأي والرأي الآخر، ومواجهة الشائعات، كما وجّه في أغسطس 2025 إلى وضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري.

 

لكن السؤال الآن ليس: هل لدينا إعلام؟ وإنما: هل يستطيع الإعلام بصيغته الراهنة أن يؤدي الوظيفة التي يتحدث عنها الرئيس؟ هل لديه من التأثير والمصداقية ما يكفي لجذب المواطن إلى النقاش العام؟ هل يستطيع أن يقدم المعلومة قبل أن تتحول الشائعة إلى حقيقة في أذهان الناس؟ وهل يمكن أن يكون مساحة للحوار لا مجرد قناة لنقل البيانات؟ وهل يستطيع أن يجمع بين الدفاع عن المصالح الوطنية وحق المواطن في المعرفة والفهم؟

 

فالمواطن لا يحتاج إلى أن يسمع دائمًا ما يريحه، بقدر حاجته إلى أن يعرف الحقيقة في حدود ما يمكن إعلانه. والثقة لا تُبنى بكثرة البيانات، وإنما بانتظام المعلومات، ووضوحها، والاعتراف بما هو معلوم وما هو غير معلوم، والرد على الأسئلة التي تشغل الناس.

 

وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق في حديث الرئيس عن وحدة الفهم. فالوحدة الوطنية في الظروف الصعبة لا تُبنى فقط على الاتفاق، وإنما على المعرفة المشتركة أيضًا. حين يفهم المواطن لماذا اتُخذ القرار، وما الذي تفرضه الظروف، وما البدائل المتاحة، يصبح أكثر قدرة على تقدير الموقف حتى إذا اختلف مع بعض تفاصيله.

 

ومن هنا فإن المطلوب ليس أن تتحدث الحكومة أكثر، وإنما أن تتحدث أفضل؛ وليس أن يظهر المسؤول في الإعلام لمجرد الظهور، وإنما أن يكون لديه ما يضيفه. والمطلوب من الإعلام ليس أن يكرر الرسالة الرسمية، وإنما أن يشرحها ويفحصها ويضعها في سياقها، ويمنح المواطن فرصة حقيقية للسؤال والفهم.

 

هذه هي اللحظة التي يمكن فيها اختبار التوجيه الرئاسي: هل نستطيع أن ننتقل من إعلام يخاطب المواطن بعد القرار إلى إعلام يشارك في إعداد المجال العام لفهم القرار؟ ومن بيانات تشرح ما حدث إلى حوار يسبق ما سيحدث؟

 

في الأزمات الكبرى، لا تملك الدولة دائمًا رفاهية كشف كل شيء، لكن يمكنها أن تملك فضيلة الوضوح فيما تستطيع قوله. ولا تستطيع الحكومة أن تمنع كل شائعة، لكنها تستطيع ألا تترك فراغًا معلوماتيًا واسعًا. ولا يمكن للإعلام أن يضمن اتفاق الناس جميعًا، لكنه يستطيع أن يمنحهم ما يساعدهم على تكوين موقف واعٍ.

وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم في كلام الرئيس: القرار القوي لا يصنعه الصمت حوله، وإنما الإعداد الجيد له، والحوار الذي يسبقه، والمواطن الذي يفهمه ويشعر أنه شريك في معرفة أسبابه وتداعياته. وفي منطقة تتغير كل ساعة، تحتاج مصر إلى دولة تتخذ قرارها بثبات، وحكومة تشرح ما تستطيع، وإعلام يستعيد قدرته على الإقناع، ومواطن لا يُعامل باعتباره متلقيًا فقط، بل شريكًا في الوعي والمسؤولية.. عندها يصبح وحدة الرأي والفهم المشترك ممارسة يومية، لا مجرد عبارة جميلة في خطاب.

الجريدة الرسمية