هدى المراغي.. درس جديد!
ماذا يحدث للموهبة حين تصطدم بالظروف؟ وماذا يمكن أن تخسره الأوطان حين لا تجد بعض العقول البيئة التي تساعدها على النمو؟ أسئلة تفرض نفسها أمام سيرة عالمة مصرية تركت أثرًا بارزًا في مسيرتها العلمية بكندا.
إنها الدكتورة هدى المراغي، التي بدأت رحلتها العلمية من جامعة القاهرة، ثم انتقلت إلى كندا وحصلت على الماجستير والدكتوراه من جامعة ماكماستر، وتذكر جامعة وندسور أنها كانت أول امرأة كندية تحصل على الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية، قبل أن تتسع مسيرتها إلى أبحاث نظم التصنيع والهندسة الصناعية والتصنيع المتقدم.
وفي عام 1994 أصبحت أول امرأة تتولى عمادة كلية هندسة في كندا، بجامعة وندسور، ثم واصلت حضورها الأكاديمي والبحثي، فكانت أستاذة متميزة، ورئيسة أبحاث كندا في نظم التصنيع، وأسهمت في تأسيس مركز لنظم التصنيع الذكية، وانتُخبت زميلة في عدد من الأكاديميات والمؤسسات العلمية المرموقة. كما حصلت على وسام أونتاريو ووسام كندا تقديرًا لإسهاماتها العلمية.
أما الرواية المتداولة عن عودتها إلى مصر بعد الدكتوراه، ومواجهتها صعوبة في الاعتراف بدرجتها العلمية أو في ترتيبها الوظيفي، ثم عودتها إلى كندا، فهي قصة ترد في بعض المصادر العربية، لكن تفاصيلها تحتاج إلى توثيق أولي أكثر وضوحًا. ولذلك لا يصح أن نجعل منها حكمًا على مؤسسة أو مرحلة، وإنما يمكن أن نتوقف عند السؤال الذي تثيره: هل نملك دائمًا الآليات الكافية لاكتشاف الموهبة وتقديرها والاستفادة منها؟
هذه هي القضية الأهم. فكم من موهبة تحتاج إلى من يكتشفها قبل أن تلفت أنظار العالم؟ وكم من شاب أو باحث يمكن أن يقطع طريقًا أطول لو وجد بيئة أكثر تشجيعًا وأقل تعقيدًا؟
ليست المشكلة في اللوائح من حيث وجودها؛ فاللوائح ضرورة لتنظيم المؤسسات وحماية معاييرها. لكن الأهم أن تكون هناك مساحة للمراجعة والتطوير، بحيث لا تتحول الإجراءات، في بعض الحالات، إلى عائق أمام الكفاءة أو سبب في فقدان فرصة كان يمكن أن تعود بالنفع على الوطن.
لقد أثبتت هدى المراغي، مثل غيرها من المصريين الذين صنعوا حضورًا عالميًا في العلم والبحث والرياضة والإبداع، أن الطريق إلى النجاح يحتاج إلى علم وعمل وصبر وإصرار. وأحمد زويل وفاروق الباز وغيرهما يقدمون نماذج مختلفة في المجال العلمي، كما يقدم محمد صلاح نموذجًا رياضيًا على أن البداية المتواضعة لا تحدد بالضرورة سقف الوصول.
ورسالة ذلك إلى الشباب واضحة: لا تنتظروا طريقًا مفروشًا بالورد. النجاح يحتاج إلى عرق وصبر، وقد يمر بالرفض والتعثر، لكن المهم ألا تتحول العثرة إلى استسلام.
أما الدولة، فالمطلوب منها أكثر من الاحتفاء بالناجحين بعد نجاحهم: أن تبحث عن المواهب مبكرًا، وأن تفتح أمامها أبواب التعليم والتدريب والبحث والإبداع، وأن تراجع ما يحتاج إلى مراجعة من الإجراءات التي قد تعوقها. فمصر لا تحتاج فقط إلى أن تخرج الموهبة منها وتنجح في العالم؛ تحتاج إلى أن تجد الموهبة في مصر من يراها، ويؤمن بها، ويمنحها الفرصة.
وحين يحدث ذلك، يصبح قول حافظ إبراهيم: «أنا تاج العلاء في مفرق الشرق» أقرب إلى مشروع عمل منه إلى مجرد بيت شعر.
