رئيس التحرير
عصام كامل

ما حكم بيع كتب تتضمن أخطاء علمية ومخالفات شرعية؟ الإفتاء تجيب

دار الإفتاء
دار الإفتاء
18 حجم الخط

ما حكم بيع كتب تتضمن أخطاء علمية ومخالفات شرعية ؟ ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية عن حكم بيع كتب تتضمن أخطاء علمية ومخالفات شرعية ويقول فيه السائل  أعطاني صديقي مجموعة من الكتب لأبيعها لصالحه، وأخبرني البعض أن هذه الكتب فيها مخالفات شرعيَّة، فهل يجوز بيعها؟

شروط صحة عقد البيع

وقالت دار الإفتاء في ردها إن  اللهُ سبحانَه وتعالى أحل البيعَ ما دامَ عن تراضٍ، فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، وروى ابن ماجه وابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ». وروى الحاكم في "المستدرك" عن أبي بُرْدَة قال: سُئِل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي الكسب أطيب أو أفضل؟ قال: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ».

ومن شروط صحة عقد البيع أن يكون المبيع مملوكًا للبائع، منتفعًا به انتفاعًا مشروعًا؛ فلا يجوز بيع المعين الذي لا يملكه الإنسان، ولا بيع ما لا نفع فيه نفعًا مباحًا، لأنه حينئذ أكل لأموال الناس بالباطل، ولأنه لا يعد مالًا، فأخذ المال في مقابلته ممتنع؛ للنهي عن إضاعة المال.

روى الترمذي وابن ماجه عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله الرجل يسألني البيع وليس عندي، أفأبيعه؟ قال: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».

قال العلامة الكاساني في "بدائع الصنائع" (5/ 146-147، ط. دار الكتب العلمية): [(ومنها): وهو شرط انعقاد البيع للبائع أن يكون مملوكًا للبائع عند البيع، فإن لم يكن لا ينعقد] اهـ.

حكم بيع كتب تتضمن أخطاء علمية ومخالفات شرعية


وقالت دار الإفتاء إن كتب العلم من الأشياء التي يجوز بيعها، وبذل العوض في مقابلتها، فهي وسيلة للتعلم، وللوسائل أحكام المقاصد، وإذا كان التعلم مرغبًا ومأذونًا فيه شرعًا، فإن وسائله كذلك وأنه يجوز شرعًا بيع الكتب العلمية متى كانت مملوكة لصاحبها، واحتوت على ما ينتفع به. 

أما حال كونها تحتوي على مخالفات شرعية ومغالطات علمية وقطعت اللجان العلمية المختصة بذلك ولم تأذن في نشرها وتداولها؛ فإن بيعها يكون على ثلاثة حالات 

الأولى: أن يكون بيعها بقصد تداولها والانتفاع بما تتضمنه من مادة علمية لغير العالمين بما فيها من مخالفات شرعية، فهذا غير جائز شرعًا؛ لفقد المنفعة المباحة، ولأن فيه إعانة على الباطل، إذ يترتب عليه مفاسد دينية وأخلاقية وعلمية ومجتمعية، ومن المقرر أن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".

قال العلامة القرافي في "الفروق" (4/ 212، ط. دار عالم الكتب): [درء المفاسد أولى من رعاية حصول المصالح] اهـ.

وقال العلامة التاج السبكي في "الأشباه والنظائر" (1/ 105، ط. دار الكتب العلمية): [درء المفاسد أولى من جلب المصالح] اهـ.

وقد تقرر في الشرع الحنيف أنه لا ضرر ولا ضرار، فقد روى الحاكم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، مَنْ ضَارَّ ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللهُ عَلَيْهِ».

وعلى عدم جواز بيع الكتب والحالة هذه تواردت نصوص الفقهاء:

قال الإمام النووي في "المجموع" (9/ 253): [قال أصحابنا: ولا يجوز بيع كتب الكفر لأنه ليس فيها منفعة مباحة بل يجب إتلافها وقد ذكر المصنف المسألة في أواخر كتاب السير وهكذا كتب التنجيم والشعوذة] اهـ.

وقال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (2/ 343): [ولا يصح بيع كتب الكفر والسحر والتنجيم والشعبذة] اهـ.

وقال العلامة الجمل في "حاشيته على شرح المنهج" (3/ 26، ط. دار الفكر): [ويحرم بيع كتب العلم المحرم ونحوه] اهـ.

الثانية: أن يكون بيعها للعلماء والمختصين وطلاب العلم؛ للوقوف على ما بها وبيان زيفها ومعرفة كيفية الرد علي ما تتضمنه أو ما يماثلها، فهذا جائز شرعًا ولا حرج فيه؛ لما فيه من المصلحة التي لا تخفى، فالبيع حينئذ ليس لنشر الفكر المخالف للشرع، وإنما لمواجهته ورده والتصدي له، فهو حينئذ وسيلة لغرض مشروع، وقد تقرر شرعًا أن "للوسائل أحكام المقاصد"، فمتى كان المقصد مشروعًا كانت الوسيلة إليه مشروعة، بل قد يرتقي إلى الوجوب، حيث تعين طريقًا لذلك، إذ رد الباطل وكشف زيغه وبطلانه من الأمور الواجبة على العلماء والمختصين، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

قال الإمام العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (1/ 53، ط. مكتبة الكليات الأزهرية): [للوسائل أحكام المقاصد] اهـ.

وقال العلامة تاج الدين السبكي في "الأشباه والنظائر" (2/ 88): [ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب] اهـ.

وقال إمام الحرمين الجويني في "نهاية المطلب" (17/ 444، ط. دار المنهاج): [الكتب المحرمة، فقد مثلها الأصحاب بكتب الشرك والهُجْر من الأشعار، ثم قالوا: إن تمكن الانتفاع بأوعيتها، مُحي ما لا يجوز تركه، وردّت الجلود والأوعية إلى المغانم، وإن لم يكن عليها جلود ينتفع بها، ولا أوعية، فسبيلها أن تمحى، وإذا كان لا يتأتى محو ما فيها إلا بالتمزيق والإحراق، فعلنا ذلك، ولم نتركها في أيدي الناس. هذا ما ذكره الأصحاب. وفيه بقية نظر على المتدبّر، فأما الهُجر والخنا والفحش الذي لا خير فيه، فالأمر على ما ذكره الأصحاب، وأما كتب الشرك، فقد يخطر فيها للفطن أنها يُنتفع بها، على معنى أن الحاجة تمس إلى الاطلاع على مذاهب المبطلين، حتى إذا عرفت، اتجه الردّ عليها بمسالك الحق، فإن كانت تلك المقالات مشهورة، فالرأي إبطالها، وإن كان فيها ما لم يتقدم الاطلاع عليه، ففيه تردد واحتمال بيِّن] اهـ.

الثالثة: أن يكون بيعها بقصد إتلافها أو فرمها أو إعادة تدويرها بحيث يزول ما بها، وتتحول إلى مواد خام يمكن الانتفاع بها في أوجه أخرى مباحة، فلا حرج حينئذ من بيعها، لعدم تعين المحظور، ولأن في الكتب مالية الورق، وللوسائل حكم المقاصد. 

الجريدة الرسمية