روح أكتوبر!
اليوم تعبر بنا الذكرى 53 لنصر أكتوبر 1973، أكتوبر ليس مجرد معركة عسكرية انتهت بعبور قناة السويس، وإنما كانت لحظة استعادة مصر لذاتها. خرجت من هزيمة 1967 لا بالشكوى، وإنما بالكفاح والصبر وإعادة بناء الجيش والإرادة، حتى أصبح العبور نتيجة طبيعية لسنوات من العمل والإعداد والتضحية.
المصريون أيامها كانوا يعرفون بوضوح: لماذا يصبرون.. ولأي هدف يدفع الثمن. كانت الأرض المحتلة قضية واضحة، والهدف محددًا، والعدو معروفًا، والدولة والمجتمع يتحركان في اتجاه واحد. لذلك لم تكن روح أكتوبر حماسًا عابرًا، وإنما كانت وعيًا وتماسكًا وصبرًا وإرادة وتحويلًا للموارد المحدودة إلى قدرة على الفعل.
لكن ماذا تغير في مصر والمصريين؟ الأجيال الجديدة لم تعش الحرب، ولم ترَ آثار الهزيمة أو لحظة العبور. تعرف أكتوبر من الكتب والصور والأغاني، بينما تعيش اليوم معارك مختلفة: ضغوط اقتصادية، وأعباء معيشية، وتعليم مرهق، وتحديات صحية، وفرص عمل لا تكفي دائمًا لطموحات الشباب، ومنطقة محيطة تموج بالتوترات والصراعات.
ومع ذلك، فمصر اليوم ليست مصر 1967 أو 1973، ولا يجوز إسقاط ظروف الأمس على الحاضر. لكن التشابه يكمن في حاجة الوطن إلى الروح نفسها: وعي بالخطر، وتماسك في مواجهته، وصبر له معنى، وهدف واضح، وثقة في القدرة على العبور.
من هنا يصبح الحديث عن الحالة المعنوية للمصريين ووعيهم مهمًا. فالمعنويات لا تُبنى بالشعارات، وإنما بإحساس المواطن أن بلده تمضي إلى هدف واضح، وأن صبره له نهاية، وأن تضحياته لا تضيع. والوعي لا يعني أن يتوقف الناس عن السؤال والنقد، وإنما أن يميزوا بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد الذي يصلح الخلل والتشكيك الذي يهدم الثقة.
وتبقى مسؤولية الدولة أساسية. فإذا طلبت الصبر، فعليها أن تشرح إلى أين يتجه هذا الصبر. وإذا تحدثت عن الوعي، فعليها أن تتيح المعلومات والحوار. وإذا أرادت الاصطفاف، فعليها أن تدرك أن الاصطفاف لا يعني تطابق الأصوات، وإنما اجتماع المختلفين على مصلحة الوطن.
فالمشكلة ليست في أن تواجه مصر أزمات؛ الدول لا تعيش بلا أزمات. الخطر أن تتسع المسافة بين الدولة والمواطن، فيشعر أحدهما أنه يتحدث بلغة لا يسمعها الآخر. وهنا تحديدًا يمكن استعادة روح أكتوبر. ليس بإعادة الماضي، وإنما بتحويل قيمه إلى مشروع حاضر: تعليم أفضل، وصحة أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر إنتاجًا، وإدارة أكثر قربًا من الناس، وإعلام أكثر صدقًا، وعدالة في توزيع الأعباء والفرص، وأمل حقيقي في المستقبل.
كانت معركة الأمس من أجل الأرض والكرامة، أما معركة اليوم فهي من أجل بناء الإنسان وقوة الاقتصاد وتماسك المجتمع وحماية الدولة وسط إقليم مضطرب. وإذا كانت مصر قد عبرت قناة السويس بالأمس، فهي مطالبة اليوم بعبور أصعب: من تحمل الأزمة إلى تقليل أسبابها، ومن استهلاك الموارد إلى تعظيمها، ومن مطالبة المواطن بالصبر إلى منحه أسبابًا حقيقية للأمل.
فروح أكتوبر لم تمت، لكنها لا تعود بالاحتفال بها، وإنما بالعمل بالقيم التي صنعتها. كان العبور ثمرة إرادة لم تكتفِ بالحلم، وإنما حولته إلى إعداد وتضحية وعمل. وهذه هي الرسالة التي تحتاجها مصر اليوم: أن نعرف حجم تحدياتنا دون تهويل، ونرى قدراتنا دون غرور، ونختلف دون أن نتفتت، وننتقد دون أن نهدم، ونعمل أكثر مما نتحدث. فالأوطان لا تعيش بانتصارات الماضي وحدها، وإنما بقدرتها على صناعة عبور جديد.
تحية لزعماء مصر: عبدالناصر الذي خاض معركة الإستنزاف التي مهدت لحرب اكتوبر. والسادات صاحب قرار الحرب والسلام. ومبارك صاحب الضربة الجوية الأولى في حرب اكتوبر واستكمال مفاوضات السلام حتي تحرير أخر شبر من أرض سيناء.
