ولد الهدى (الحلقة التاسعة عشرة)، وما ينطق عن الهوى
في شهر ربيع الأول، أشرقت الدنيا بنور النبوة، ووُلد خير من وطِئ الثرى، سيدنا محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ذلك الميلاد الذي لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان بداية لفجر جديد أضاء ظلمات الجاهلية، وأعاد للإنسانية رشدها، وأرشدها إلى صراط الله المستقيم.
في هذه السلسلة المباركة، نتفيأ ظلال السيرة العطرة، ونستعرض بعضًا من مناقب الحبيب المصطفى، وصفاته الخُلُقية والخَلقية، وشمائله التي مدحها رب العالمين، وأثنى عليها السابقون واللاحقون من أهل الإيمان.
“وما ينطق عن الهوى”
امتدح الله، سبحانه وتعالى، عقل نبيه، صلى الله عليه وآله وسلم، وصدقه، فقال، عز من قائل: "وما ينطق عن الهوى" (النجم: 3).
وفي "التفسير الميسر": أقسم الله تعالى بالنجوم إذا غابت، ما حاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، عن طريق الهداية والحق، وما خرج عن الرشاد، بل هو في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد، وليس نطقه صادرًا عن هوى نفسه. ما القرآن وما السنة إلا وحي من الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي "المختصر في التفسير": وما يتكلم بهذا القرآن تبعًا لهواه.
أما تفسير الجلالين، فيقول: "وما ينطق" بما يأتيكم به "عن الهوى" هوى نفسه.
وفي تفسير السعدي: ليس نطقه صادرا عن هوى نفسه.
لا يقول القرآن من تلقاء نفسه
و"البغوي": "وما ينطق عن الهوى"، أي: بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن سيدنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - يقول القرآن من تلقاء نفسه.
وعن هذه الآية، يشرح "التفسير الوسيط ": "الهوى" الميل مع شهوات النفس، دون التقيد بما يقتضيه الحق، أو العقل السليم.. ويعني: وحق النجم الذي ترونه بأعينكم- أيها المشركون- عند غروبه وأفوله، وعند رجمنا به للشياطين، إن محمدا صلى الله عليه وسلم، الذي أرسلناه إليكم شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، ما ضل عن طريق الحق في أقواله وأفعاله، وما كان رأيه مجانبا للصواب في أمر من الأمور، وما ينطق بنطق صادر عن هوى نفسه ورأيه، وإنما ينطق بما نوحيه إليه من قرآن كريم، ومن قول حكيم، ومن توجيه سديد.
أما تفسير ابن كثير، فيقول مفسرا: ما يقول قولا عن هوى وغرض.
وفي "القرطبي": في قوله تعالى: وما ينطق عن الهوى، قال قتادة: وما ينطق بالقرآن عن هواه، وقيل: عن الهوى أي بالهوى.
"وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى"، بها أثبت الله عز وجل عِصمةَ نبيِّنا سيدنا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فيما يُبَلِّغُه عن رَبِّه سبحانه، ووفور عقله وحكمته، فقال تعالى عنه: "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" (النَّجم:3 - 4).
وذكر ابن كثير أنه "معلوم لكل ذي لُب (عقل سليم) أن سيدنا محمدًا صلى الله تعالى عليه وسلم أعقل خَلْق الله تعالي، وأكملهم على الإطلاق في نفس الأمر".
