فتاوي الباطنية!
لم تكن فتوي الدكتورة سعاد صالح أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر عن مشروعية تناول الحشيش إلا تأكيدا لما قلناه مرارا، من غلبة مدرسة النقل علي مدرسة العقل في الفهم، وبالتالي تقديم الإسلام وقضاياه.. فالدكتورة سعاد نظرت بشكل مباشر علي الفرق بين الحشيش والخمر.. هناك من أخبرها -الله أعلم من أي جهة- أن المخدر المذكور لا يذهب العقل بما يختلف عن الخمور..
ولو أرادت الحق لسألت أولا أهل الذكر من المتخصصين في ذلك وهم كثر.. أطباء أمراض نفسية وكيميائيين في مراكز بحثية، بل وضباط الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، ولديهم معرفة كبيرة بكافة مخدرات الدنيا وأنواعها وميكانيكية عملها داخل جسم الإنسان وتأثيراتها!
كان يمكنها أن تقلد ولو لمرة واحدة أنصار مدرسة العقل وتفكر وتتدبر فلا يتوقف رأيها عند الأثر المباشر لكيمياء "الحشيش"، رغم خطورته، وإنما بتأمل حال المجتمع ودور المخدرات وإدمانها في الآف المشكلات والأزمات الاجتماعية.. كذلك توقيته الذي يجئ بعد جدل عن حوادث الطرق ودور الأجهزة المختصة في الفحص المفاجئ للسائقين.. كما أن فتواها تجئ في وقت تقوم فيه الحكومة بفحص الموظفين العموميين!
الفقيه.. الفقيه.. عليه أن يري صورة مجتمعه كاملة، وفتواه تكون نزولا من الواقع إلي الواقع.. تبني لا تهدم، ترمم ولا تنقض.. ولذلك كان الرد العلمي الصاعق من صندوق مكافحة الإدمان، وقد قضي علي فتواها حتي قبل إيقافها من الأزهر ظهر اليوم..
فقد قال إن مخدر الحشيش يحتوى على مادة تسبب الهلاوس والضلالات، كما يسبب تعاطيه تليف الرئة والإصابة بالربو، وانخفاضا في ضغط الدم واحمرار دائم في العين، وضمور خلايا المخ، وفقدان الشهية، وضعف القدرة الجنسية والاكتئاب والقلق، وقلة النوم واضطرابات في السلوك وضعف التركيز..
ثم أشار إلي تقرير الأمم المتحدة عن السائقين الذين يقودون تحت تأثير مخدر الحشيش وتزداد احتمالية تسببهم في الحوادث بمقدار 3 أضعاف مقارنة بغيرهم من السائقين، كما أن أكثر من 50% ممن يتقدمون للعلاج من الإدمان كانوا يتعاطون الحشيش!
السطور السابقة ليست فقط انتقادا لفتوي سعاد صالح.. إنما للمدرسة كلها التي تنتمي إليها، والتي تلغي العقل وتنحي المنطق وتقف عند سطح القضايا لا عمقها، وشكليات الأمور لا جوهرها! ولذلك نري كل يوم فتاوي لـ"التغييب" لا لإيقاظ المجتمع واستنهاض همته!
رحم الله الإمام أبا حنيفة النعمان مؤسس مدرسة العقل في فهم الإسلام، وقد أسميناه -ومجتمعاتنا كلها- ودون أن نتفق وبالاجماع.. الإمام الأعظم!
