رئيس التحرير
عصام كامل

المنقذ لولا دا سيلفا

تعزز المد الوردي في أمريكا اللاتينية بفوز الرئيس اليساري الأسبق لولا دا سيلفا برئاسة البرازيل، محققا سابقة تاريخية وجدت ترحيبا دوليا واسعا.. وبانتصاره على الرئيس اليميني المتطرف جايير بولسونارو، تنضم البرازيل إلى كولومبيا والمكسيك والأرجنتين وتشيلي وبيرو وهندواس وبوليفيا في كتلة حكم اشتراكي متنامي، تعيد إلى الأذهان تنامي الحكم اليساري ذاته مطلع القرن الحادي والعشرين..

 

والذي أطلق عليه المد الوردي وكان بين قادته لولا دا سيلفا نفسه، الذي عاش سنوات الفقر ثم المجد السياسي يليه الانكسار والسجن، ليعود مجددا إلى القصر الرئاسي وقمة السلطة في أكبر دولة لاتينية، وسط مخاوف من اتساع التفاوت الطبقي وتآكل الطبقة المتوسطة، مع زيادة التضخم وارتفاع الأسعار وتأثير جائحة كورونا، ما دعا الناخبين المحبطين للتخلي عن الأنظمة الحاكمة بحثًا عن العدالة الاجتماعية، وبالتالي صعود موجة اشتراكية جديدة.

 

بعد احتفاله وسط مؤيديه بالعودة إلى رئاسة البرازيل، أبدى لولا دا سيلفا، حرصه على حضور قمة المناخ COP 27 المقامة في مصر خلال الأيام المقبلة، حيث وعد في حملته الانتخابية بمكافحة تدمير غابات الأمازون المطيرة، وجعل البرازيل رائدة في محادثات المناخ العالمية.

فوز لولا دا سيلفا

لم يكن فوز لولا دا سيلفا، برئاسة البرازيل من قبيل الصدفة، فقد تصدر غالبية الاستطلاعات التي أكدت شعبيته والثقة فيه، كما وصفه الرئيس الأسبق باراك أوباما، بأنه السياسي الأكثر شعبية في العالم. تعهد الرئيس المنتخب لولا دا سيلفا، في أول تصريحاته بتوحيد بلاده المنقسمة على نفسها، وإعادتها إلى الساحة الدولية ولن تكون منبوذة ثانية، مؤكدا أن "التزامنا الأكثر إلحاحا هو إنهاء الجوع في البلاد، والسعي لتجارة عالمية عادلة بدلا من الاتفاقات التي تجعل بلدنا مُصدِرا للمواد الخام للأبد".

 

عاد لولا دا سيلفا، إلى السلطة بعد 12 عاما على مغادرته لها، ساعيًا لجعل "البرازيل سعيدة مجددا مثلما كانت خلال فترتي حكمه السابقتين"، بعدما خاض معركة تكسير عظام مع عدوه اللدود المتغطرس جايير بولسونارو. كما تعهد لولا دا سيلفا، بإنقاذ البرازيل مثلما أنقذها في السابق، وإعادة النمو الاقتصادي الذي تقوده الدولة والسياسات الاجتماعية التي نجحت في انتشال الملايين من براثن الفقر عندما حكم البرازيل بين عامي 2003 و2010.

 

يواجه لولا دا سيلفا، في فترة حكمه الجديدة أزمة اقتصادية كبيرة وقيود على الميزانية ومعارضة برلمانية قوية، ومع ذلك أعلن أن أولويته المطلقة ستكون تحسين أوضاع الفقراء، ومساعدة 100 مليون برازيلي فقير وملايين يواجهون الجوع وهو أعلى معدل منذ سنوات، وكما فعل في ولايته السابقة، تعهد الرئيس لولا دا سيلفا ببناء مساكن منخفضة التكلفة وايصال الكهرباء والماء إلى القرى النائية، وإصلاح ضريبي وزيادة الحد الأدنى للأجور وتقديم مساعدات شهرية للعائلات المحتاجة.

 

يشكك خصوم الرئيس المنتخب لولا دا سيلفا في قدرته على انتشال البرازيل من الأزمة الحالية نظرا لصعوبة تمويل برامجه الطموحة، بينما يثق ملايين من مؤيديه في قدرته على إنقاذ بلاد السامبا، مثلما أنقذها في ولايته السابقة، مذكرين بأنه نفذ برامج إصلاح اقتصادي ركزت على الجانب الاجتماعي وتحسين حياة الفقراء بصورة هائلة وتحولت البرازيل خلال حكمه من بلد ينهش الفقر أغلب سكانه وتثقله الديون، إلى سادس أقوى اقتصاد في العالم، كما وفر 20 مليون فرصة عمل نقلت الفقراء إلى الطبقة المتوسطة.

إصلاح الاقتصاد

نموذج إصلاحات لولا دا سيلفا، يجب أن يستلهمها الحكام والسلطات التنفيذية، حيث مرت البرازيل قبل نحو ثلاثة عقود بأزمة اقتصادية طاحنة، فتوسعت في الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وطبقت شروطه المدمرة لأي دولة تلجأ إليه، واضطرت لخفض الأجور وتسريح ملايين العمال، وأصبحت مسلوبة القرار وتابعة للدول الدائنة. 


عانى الملايين من الفقر، وزاد معدل الجريمة وتعاطي المخدرات بشكل مخيف، وأصبحت البرازيل الأعلى ديونا في العالم، وعجزت عن سداد فوائد القروض وانهارت العملة مقابل الدولار، فرفض صندوق النقد اقراضها نهاية 2002، مهددا بإعلان إفلاسها.

 

في العام التالي مباشرة انتخبت البرازيل الرئيس لولا دا سيلفا، الذي ولد فقيرا، وعمل ماسح أحذية، وخشي الشعب من أنه سيعوض سنوات الفقر والحرمان ويعيش البذخ والرفاهية ويزيد معاناة البلد المهدد بالإفلاس، لكنه حقق معجزة إصلاحية باستغناء الساسة ورجالات الدولة عن كثير من الرفاهيات لدعم الفقراء.


قرر الرئيس لولا دا سيلفا التوقف عن الاقتراض، وزاد من الضرائب على رجال الأعمال والأغنياء للحصول على المال وانفاقه على 11 مليون أسرة فقيرة، وفي المقابل منح رجال الأعمال تسهيلات كبيرة في الاستثمار وأراضي مجانية لتوسعة مشاريعهم، ارتفع دخل الفقراء من الأموال التي تمنحها لهم الدولة فزادت مشترواتهم من منتجات التجار ورجال الأعمال، الذين تضاعفت مبيعاتهم وعوضوا الضرائب المفروضة عليهم، ومع التسهيلات والرقابة الحكومية الدقيقة تدفق الاستثمار على البرازيل..

 

 

وفي غضون أربع سنوات تمكن الرئيس لولا دا سيلفا، من تسديد مديونية صندوق النقد كاملة، وقفز الاقتصاد ليصبح السادس عالميًا في نهاية الفترة الثانية لحكمه، وبعد انقاذه البلد بالانجازات التي حققها طلب منه الشعب تعديل الدستور ليتولى الحكم فترة ثالثة، لكنه رفض قائلا: "البرازيل فيها ملايين لولا"، وترك الحكم ليعود إليه بعد 12 عامًا ساعيًا لمعجزة ثانية يصلح بها ما أفسده رؤساء تولوا الحكم بعده.

الجريدة الرسمية