رئيس التحرير
عصام كامل

جوجل المتطرف.. الأزهر والإفتاء يخوضان معركة تحرير الشبكة العنكبوتية من الإخوان والسلفيين

فضيلة الإمام الأكبرالدكتور
فضيلة الإمام الأكبرالدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر

منذ ظهور الإنترنت وتيارات الإسلام السياسى تغرز مخالبها فى كل تفاصيله سيطرت على محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعى فور ظهورها، أغرقت كل منافذ الإنترنت بآلاف الفتاوى المتطرفة التى تسهم فى نشر أفكارها وقناعاتها وتشدد سيطرتها ولو بشكل غير مباشر على العقائد الدينية للمسلمين داخل وخارج مصر، كل ذلك والمؤسسة الدينية الأزهرية الرسمية بعيدة كل البعد عن التواصل الحديث مع المجتمع بسبب عدم الأخذ بأسباب التكنولوجيا والعلوم فى نشر الفتوى التى تمثل العقيدة الوسطية ومنهج الأزهر.


وخلال السنوات الماضية كانت محاولات استخدام محركات البحث المختلفة لمعرفة الإجابة عن أي أسئلة أو استفسارات دينية تقابل بسيل إخوانى-سلفى من عشرات بل مئات المواقع التابعة للجماعات الإسلامية المتشددة ذات الأيدولوجية الدينية والتى تسعى لخدمة تيارات فكرية متشددة تغاير المنهج الأزهرى الوسطى.


تلك الملاحظة التى على بساطتها كانت تترجم فشل المؤسسات الدينية الرسمية فى مصر فى فرض سيطرتها أو حتى المنافسة القوية على تلك المحركات فى ظل التطور التكنولوجى الكبير الذى بات يمثل المحور الأول للعمل فى كافة المؤسسات لاسيما أن المليشيات المتطرفة والإرهابية استفادت بصورة كبيرة من التكنولوجيا وسياقها المتسارع للدرجة التى جعلت كل الجهود لمواجهتها تقف فى منطقة رد الفعل وهو ما أوجب على المؤسسات الدينية الرسمية التصدى لهذا الفكر المتطرف من خلال مواكبة التكنولوجيا الحديثة للاستفادة من أدواتها والانتقال من منطقة رد الفعل إلى الفعل والمواجهة لوقف تمدد هذا الفكر المتطرف داخل المجتمعات.


"فيتو" بدورها حاولت البحث وراء أسباب تطرف فتاوى "جوجل" وتأخر المؤسسات الدينية الرسمية فى مصر عن هذا الحفل مما جعل المواقع والصفحات التابعة للجماعات المتطرفة أحد أهم المصادر التى يحصل من خلالها المسلمين على فتاواهم ومعرفة الرأى الشرعى للمسائل الحياتية التى تهمهم.


خطورة فتاوى جوجل
البداية كانت من الدكتور أسامة الأزهرى المستشار الدينى لرئيس الجمهورية والذى حذر من تلك الظاهرة، حيث أكد أن جوجل أصبح مصدر معرفة الدين عند الكثير من الناس من خلال الاختيارات العشوائية للمواقع السلفية والإخوانية التى تتصدر محرك البحث الشهير، إذ عملت منذ زمن طويل على الترويج للصفحات والمواقع الخاصة بهم بما جعل تلك المواقع صديقة لمحرك البحث وتتصدر النتائج كرقم واحد للبحث.


هناك أيضًا جزءًا فنيًّا مفقودًا فى تشغيل صفحات المؤسسات الدينية، إذ تفتقد المؤسسات امتلاك المواقع الإلكترونية القوية التى يحددها الخبراء بأن لا يقل متابعوها عن 20 مليون متابع على فيسبوك وتويتر تمهيدا للانطلاق لبقية منصات التواصل، مع ضرورة أن تكون هذه الصفحات متضمنة منشورات باللغة العربية واللغة الإنجليزية انطلاقا إلى بقية اللغات، وأن تتحول من فلسفة الدفاع ورد الفعل إلى فلسفة الهجوم ورصد وتعقب كل الصفحات الناشطة الإخوانية والسلفية وغيرها والرد عليها.


أين نحن
ولمعرفة الأسباب الحقيقة لتصدر فتاوى الجماعات المتطرفة لمحركات البحث المختلفة فإن دار الإفتاء المصرية كان لها عدد من الدراسات التى شرحت هذا الأمر بالتفصيل، حيث أكدت الدار أن هناك عددا من الخصائص الفنية والتفاعلية التى لا بد أن تتوافر للمواقع الإلكترونية - بما فى ذلك المواقع الإسلامية - لكى تكون قادرة على تحقيق عنصر التميز فى طرح محتواها، والجذب لأكبر عدد ممكن من المتلقين والتى تتمثل فى الخصائص الفنية المرتبطة بالجوانب التقنية والربط بمحركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعى.


بجانب توافق تصميم الموقع مع محركات البحث وقواعد الأرشفة، وتصميم الموقع الإلكترونى بتقنية "Responsive design" حتى يمكن عرضه بشكل مناسب على الهواتف الذكية، وإنشاء لوحة تحكم خاصة لإدارة جميع المحتويات، بجانب ربط الموقع الإلكترونى بمواقع التواصل الاجتماعى مثل فيس بوك، تويتر، يوتيوب، جوجل بلس، لينكد إن، والاهتمام بسرعة تحميل الصفحات فى الموقع، بجانب الخصائص التفاعلية المتعلقة بمحتوى الموقع والتعامل مع الجمهور والتى تتطلب جودة المحتوى من حيث وفرة المعلومات المنشورة وشمولها وتغطيتها مجالات تخصص الموقع وأهدافه مع توفر سهولة تصفح الموقع والتنقل ببين.


كما يجب توفير الخدمات التفاعلية مثل الدردشة وسجل الزوار، بالإضافة إلى جودة التصميم وجمال الرسوم والإطارات مع العمل المؤسسى فى نشر الصفحات والمواقع الإسلامية على الإنترنت من خلال تحقيق الدعم المادى والدعم الفنى المتخصص بالعمل، وكل هذه العوامل فطنت إليها الجماعات المتطرفة وباتت تراعيها بشكل دقيق عند بناء المواقع الخاصة بها مع عمل تطوير للمحتوى الرقمى المعروض عليها مما جعلها تتصدر كافة محركات البحث.


وتناولت الدراسة الخاصة بدار الإفتاء شرح تفصيلى للمحتوى الذى يقدمه موقع "إسلام ويب" والذى يعد من أكثر المواقع الإلكترونية المتخصصة فى المجال الإسلامى انتشارًا وتصدرًا لمحركات البحث، وتنوعًا فى موضوعاته وأقسامه ولغاته، خاصة قسم الفتوى الذى يشمل لغات متعددة، ومنها العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية، إلى جانب نشاط الموقع الواضح والكثيف على مواقع التواصل الاجتماعى والعدد الكبير لمتابعيه، وهو ما جعل زوار الموقع يتجاوزن الـ 300 ألف يوميًا من أكثر من 150 دولة حول العالم.


عملت الدراسة على تحليل المحتوى المقدم من خلال الموقع وأبرز الأخطاء الواردة فيه والتى تمثل خلل جسيم فى مضمون وشكل المفتوى المقدمة للجماهير والتصوير الخاطئ للمسائل الدينية، إذ يبتعد الموقع فى كثير من الأحيان عن الواقع مما يؤدى لإنزال حكم شرعى غير منضبط انطلاقا من أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.


حسب الدراسة تتجمع عدد من جوانب القصور لدى متصدرى الفتوى فى الموقع أدت لضعف تصويرهم للمسائل الواردة لهم، بجانب وقوع "إسلام ويب" فى كثير من الفتاوى فى خطأ التكييف غير المنضبط للمسألة ما يؤدى فى النهاية إلى إنتاج فتاوى غير منضبطة وبعيدة عن الواقع، كما يمكن وصفه الموقع باعتباره "مفتى مقلِّد" مع وجود عدد من جوانب العوار، وذلك بالنظر إلى الفتاوى الصادرة عنه، ومنهجه الإفتائى.


سبل المواجهة
لم تكف دار الإفتاء أمام تلك المواقع التابعة للتيارات المتطرفة مكتوفة الأيدى، وعملت خلال السنوات الماضية على مزاحمة تلك المنصات الإلكترونية بشتى الوسائل على رأسها "محرك البحث الإلكترونى للمؤشر العالمى للفتوى" التابع لدار الإفتاء والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، كإحدى آلياتها فى مكافحة الإرهاب والتطرف إلكترونيًّا، والذى يُعد الأول من نوعه فى العالم القادر على رصد الفتاوى آليًّا وتحليلها والوقوف على مكامن الضعف والخلل فى الفكر المتطرف.


كما يهدف إلى بناء أكبر قاعدة بيانات للفتاوى فى العالم من خلال منصته الإلكترونية، إذ يعتمد المحرك على خدمات التحول الرقمى والذكاء الاصطناعى فى جمع الفتاوى وتتبع جديدها وردود الأفعال حولها، ويرصد أيضًا الخطاب الإفتائى عامة والخطاب الإفتائى للتنظيمات الإرهابية على وجه الخصوص عبر مواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى؛ لاستخراج التقارير والمؤشرات التى تفيد المعنيين بالفكر المتطرف وصُناع القرار من خلال استخدام خصائص الذكاء الاصطناعى، بما يوفر الجهد البشرى والوقت والتكلفة المستخدمة فى رصد الفتاوى وتفنيدها يدويًّا.


خطورة الموقف
من جانبه يرى الدكتور محمد إبراهيم العشماوى، أستاذ الحديث الشريف وعلومه فى جامعة الأزهر الشريف، وأحد أبرز علماء الأزهر النشاطين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعى أن غالبية محركات البحث عبر شبكة الإنترنت تصدرتها الجماعات المتطرفة فى ظل غياب المؤسسات الدينية فى مصر باستثناء دار الإفتاء التى فطنت لخطورة هذا الأمر.


أوضح العشماوى أن الإفتاء تعمل منذ فترة على أرشفة الفتاوى الخاصة بها حتى تتمكن من الظهور بشكل أكبر عبر محركات البحث بما يجعلها على رأس المؤسسات الدينية فى مصر محاربة للأفكار المتطرفة من خلال تبنى المنهج الأزهرى، مشيرًا إلى أن الجماعات المتطرفة تخصص ميزانيات ضخمة من أجل فرض سيطرتها على محركات البحث المختلفة، وهو ما يجعلنا نؤكد أن محركات البحث إخوانية الهوى وسلفية المزاج، لافتا إلى أن الأمر يحتاج إلى تكاتف من المؤسسات الرسمية وبذل المزيد من الجهد لأننا أمام معركة حقيقة أخطر مما يتخيل البعض حسب تعبيره.


وشدد "العمشاوي" لـ"فيتو" على ضرورة تصدى كل المؤسسات بكل وضوح وحزم لأى أفكار تخالف المنهج الأزهرى الوسطى، ومجابهة الأفكار التى تعكر الصفو المجتمعى وحيث يعاد إنتاجها تحت مسميات مختلفة، لافتا إلى أن هناك عدة حلول أمام المؤسسات الدينية لتتغلب على مشكلة قلة المواد المخصصة لمحركات البحث منها إمكانية إعلان فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف عن فتح حساب لتبرع المصريين من أجل دعم المنهج الأزهرى وبما يجعل فتاوى الأزهر تتصدر محركات البحث المختلفة.


أضاف أنه يمكن أيضًا تدشين حملة تحت مسمى "ادعم أزهرك أو أمِّن بلادك"، وخلال وقت قصير من نشأتها ستتمكن المؤسسات الدنية من تصدر نتاج البحث فى محركات البحث المختلفة، بجانب إمكانية تقديم نصائح لعامة الناس للبحث عن الإنترنت بالطريقة الصحيحة التى تمكنهم من الوصول إلى فتاوى المؤسسة الأزهرية بشكل مباشر.


وأوضح أستاذ الحديث الشريف أن هناك ضرورة لاعتماد المؤسسات الدنية على الدعوة "الإلكترونية" من خلال استخدام أئمة الأوقاف ووعاظ الأزهر الشريف فى التواجد بشكل أكبر على منصات مواقع التواصل الاجتماعى المختلفة، وعدم حصر الدعوة فى المساجد فقط كما هو الحال الآن، من خلال تعظيم وزيادة إنتاج المحتويات المرئية الأزهرية التى تفند الأفكار المتطرفة وتنشر الفكر الوسطى وتخاصم الأسلوب التقليدى للدعوة والمتمثل فى المساجد والمقالات والتى لا تحظى بإقبال كبير من القراءة من قبل الشباب، وهو الأمر الذى فطنت إليه دار الإفتاء منذ فترة بما جعلها رقم واحد فى ساحة المعركة ضد الأفكار المتطرفة من خلال تبنيها المنهج الأزهرى الحقيقى على حد قوله.

 

نقلًا عن العدد الورقي…،

الجريدة الرسمية