رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

رغيف الخبز.. والعز بن عبد السلام 

Advertisements

أما عن أنه لم تعد هناك عملة الخمسة قروش فبالتالي ينبغي أن نرفع أسعار السلع لتتفق مع العملات المتداولة، فهذه حجة مضحكة جدا، فالفقير لا يحتاج الخمسة قروش، وإنما يشتري رغيف الخبز بأن يسدد جنيها أو خمسين قرشا أو ربع جنيه ويأخذ عددا من الأرغفة، فلن تجد هناك إنسانا يبحث عن خمسة قروش ليشتري رغيفا واحدا، كما أنه إذا كانت هذه الحجة صحيحة فينبغي كذلك أن نلغي عملة الجنيه لأنه مكون من مائة قرش ولم يعد القرش مستخدما في الحياة، ونلغي جميع السلع التي تباع بأي مبلغ من القروش، فمثلا نشتري علبة الكبريت بخمسة وعشرين قرشا إذا تُلغى لأنه لم يعد هناك قرشا في الوجود فهل هذه حجة. 

وأما عن حجة أنه لا شيء يظل على حالة 30 عاما، فهذه مردود عليها أيضا، فهناك علاوة الطفل الجديد التي يحصل عليها الموظفون هذه العلاوة قيمتها لم تتغير منذ الخمسينيات وهي جنيهان تقريبا ولم يفكر أحد في زيادتها لتتمشى مع الوقت الراهن، كما أن العلاوة الاجتماعية المقررة بقانون من عام 1981 لم تتغير عن 4 جنيهات أي هذه الجنيهات الأربعة لم تتغير منذ أربعين عاما فلماذا لا نفكر في زيادتها قبل أن نفكر في زيادة الأسعار. 

 

والحقيقة أن سعر رغيف الخبز تغير بالفعل منذ عام 2013 أي في حقبة زمنية بسيطة، وذلك بزيادة السعر بطريقة ذكية وهي تخفيض حجم رغيف الخبز، فقد كان وزن رغيف الخبز  قبل 2013 / 2014 حوالي 135 جراما، فتم التخفيض في الوزن على سنوات متقاربة حتى تم آخر تخفيض العام الماضي من 110 جرام إلى 90 جراما، ولو حسبت الزيادة في السعر لوجدت سعر رغيف الخبز مع التخفيض يصل إلى 30 قرشا فعليا وليس 5 قروش، فقد تم نقص وزنه باستقطاع 45 جراما منه مما يعني زيادة سعره بطريقة ذكية دون أن يشعر المواطن، إذا فلم يبق سعر رغيف الخبز على حاله منذ 30 عاما وإنما زاد فقط في السنوات السبعة الأخيرة زيادة سعرية كبيرة بخفض وزنه.

 ونأتي هنا لمناقشة مستحقي ذلك الرغيف هل هم بالفعل يستحقون الدعم أم لا ؟ نرجع في ذلك للجهات الرسمية حيث ذكر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في تقرير رسمي عام 2019 أن نسبة المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر ارتفعت إلى 32.5%، وفقا لبحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2017- 2018. وقال رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إن نسبة الفقر ارتفعت بنسبة 4.7%‏، مقارنة ببحث 2015. 

إحصاءات حكومية

وأضاف أن البحث أظهر أن محافظات الوجه القبلي تتعدى خط الفقر القومي ويشير خط الفقر الكلي إلى الحد الأدنى من الدخل الذي لا يمكن للفرد تلبية احتياجاته الأساسية إذا لم يحصل عليه. ويختلف تقدير خط الفقر من منطقة لأخرى داخل مصر، نتيجة اختلاف تكلفة المعيشة. وحدد الجهاز خط الفقر عند مستوى 8827 جنيها في السنة، وهو ما يعادل 735 جنيها شهريا، وفقا لنتائج بحث الدخل والإنفاق لعام 2017-2018، وذلك مقابل 5787.9 جنيه سنويا، أو نحو 482 جنيها شهريا، في البحث السابق لعام 2015. بما يعني أن 32.5%، من المصريين تحت خط الفقر ويتقاضون شهريا أقل من 735 جنيها وذلك قبل أحداث كورونا.

  إذا بعد هذه الإحصائيات الحكومية التي تؤكد وجود 32.5%، من المصريين تحت خط الفقر ويتقاضون شهريا أقل من 735 جنيها دعنا نقييم تأثير رفع سعر رغيف الخبز على هذه الأسر، فأسرة تتقاضى 800 جنيه مكونة من زوج وزوجة وطفلين فقط، مطلوب منها أن تسدد ثمن الكهرباء والمياه والغاز والمواصلات والكساء والعلاج ومصاريف الدراسة وكلها ارتفعت بصورة رهيبة الخ، ومع ذلك دعنا نقول أنها تستطيع العيش، فما تكلفة رغيف الخبز عندما يزداد ثمنه ليصبح عملة متداولة وأقرب عملة لذلك هي 25 قرشا، فهذه الأسرة تحتاج يوميا إلى 20 رغيفا في 30 يوما أي 600 رغيفا بسعر 25 قرشا أي 150 جنيها بعد أن كانت تدفع 30 جنيها أي بزيادة 400%، فهل هذه الأسرة زاد دخلها بنفس معدل زيادة الرغيف أم لا زالت تحت خط الفقر ؟ 

هي بالفعل لا زالت تحت خط الفقر وستعاني الجوع بعد ذلك، ومن العجب أن نجد أن من يدافع عن ذلك القرار هم الأثرياء والقادرون وهم في الحقيقة لا دخل لهم بالمشكلة ولا يعرفون حتى صورة رغيف الخبز المدعم، لكنهم يقصدون بذلك أن يظل الفقراء تحت مقصلة الجباية الحكومية بعيدا عنهم، وبالتالي من هذه الأموال التي تجبى من الفقراء يتم إنشاء الأحياء الراقية والمدن الساحلية والطرق الحديثة ليستمتع هؤلاء الأغنياء ويسددون أثمان قصورهم وشققهم الفارهة للحكومة التي بنتها من كد الفقير؛ لتنعم الحكومة بما يأتيها من أموال الأثرياء عن طريق دماء الفقراء.

نصيحة العز بن عبدالسلام

 فكان ينبغي على الرئيس قبل أن يفكر في رفع سعر الرغيف المدعم الذي ينتفع به الفقير حتى يجد ما ينفذ به التغذية المدرسية أو غيرها من الاحتياجات أن ينظر في حال الأثرياء، ويفرض عليهم ضرائب رفاهية مثل ضرائب على حمامات السباحة والسيجار والمركبات الفارهة، والسلالات النادرة من الحيوانات والسلع الاستفزازية والخدمات التي تقدمها الحكومة لهم مدعمة بالفعل الخ، وبعد ذلك ينظر لحال الفقير..

ففي عهد الملك سيف الدين قطز واجهت مصر خطر المغول، وكانت الدولة تمرّ بأزمة اقتصادية شديدة، فاستفتى قطز سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام في أن يفرض على شعبه ضرائب لتجهيز الجيش لمحاربة التتار، فقال الشيخ: «إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم (أي العالم الإسلامي)، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم (أي فوق الزكاة) بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء» هذا هو الشرط الأول!.

أما الشرط الثاني فكان أصعب! قال الشيخ: «وأن تبيعوا مالكم من الممتلكات والآلات (أي يبيع الحكام والأمراء والوزراء ما يمتلكون)، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات الفاخرة، فلا!». 

وفعلًا قام قطز بتنفيذ الفتوى فورًا، وبدأ بنفسه، وبدأ بمن حوله من حاشيته من أمراء ووزراء، ولم يضطر بعدها لفرض أي ضريبة على شعبه لأن ما كان في حوزة أصحاب المواقع والمناصب كان كافيًا لسد العجز الحاصل.

Advertisements
Advertisements
الجريدة الرسمية