رئيس التحرير
عصام كامل

"قيصر" يخنق سورية

يدخل اليوم قانون "قيصر" حيز التنفيذ، بعد ستة أشهر على توقيعه من قبل الرئيس دونالد ترامب، إثر أصداره بموافقة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في تعامل مختلف للسياسة الخارجية الأمريكية مع ملف سورية.

 

وهو يعكس فكر جديد انتهجه الرئيس ترامب في مواجهة الأزمات وتحقيق الأهداف دون استخدام سلاح وإرسال جيش للمشاركة في حرب، بل فرض عقوبات تخنق الأنظمة وتضغط عليها خارجيا فضلا عن الضغط الداخلي من الشعب جراء تأثير العقوبات.

 

قانون "قيصر"، يعيد قرار أي تسوية في سورية إلى أمربكا، بعد فشل أوباما وانسحابه منها مكتفيا بالتهديد بشأن استخدام أسلحة محرمة، وتركها لإيران و"حزب الله" ثم روسيا وانضمت لهم بعد ذلك تركيا، كل منهم يريد السيطرة بذرائع مختلفة.

 

اقرأ أيضا: إسرائيل اجتاحت العرب بـ "فوضى"

 

لكن ترامب الذي نجح في خنق إيران وذراعها "حزب الله" بالعقوبات، أصدر قانونا "لحماية المدنيين السوريين ومعاقبة من يدعم ويمول العمليات العسكرية".

 

ابتداء من اليوم يحق لترامب بموجب القانون فرض عقوبات على دول وشركات وكيانات وحتى أشخاص تساعد النظام وتدعم عملياته العسكرية ضد المدنيين، "قيصر" لا يستهدف فقط الأجانب المتورطين في الحرب السورية..

 

بل من شأنه عرقلة خطط الاستثمار في سورية وما وعد به المجتمع الدولي من أجل إعادة إعمار البلد المنهك والمدمر بفعل الحرب الأهلية، وعليه سيتوقف كل شيء حتى توافق أمريكا على تسوية سياسية متوازنة بعيدا عما تخطط له الدول المسيطرة فعليا على الأرض.

 

لا يسعى قانون "قيصر" لإسقاط نظام بشار الأسد، مثلما تعلن الولايات المتحدة، لكن المبعوث الأمريكي إلى الشام جيمس جيفري، قال منذ أيام "إن روسيا وإيران لم تعودا قادرتين على تعويم وتلميع النظام السوري ليحظى بقبول دولي.

 

اقرأ أيضا: الصالح والطالح في المهن كلها

 

وساهمت العقوبات الأمريكية في تدهور قيمة العملة السورية مقابل الدولار"، وعشية بدء سريان "قيصر"، كشف جيفري أن واشنطن قدمت عرضاً للأسد عبر طرف ثالث "للخروج من الأزمة، يعتمد على تنفيذ عملية سياسية، من الممكن ألا تقود إلى تغيير النظام، بشرط تغيير سلوكه وعدم تأمينه مأوى للمنظمات الإرهابية مثل حزب الله، وألا تكون سورية قاعدة لإيران تبسط من خلالها هيمنتها على المنطقة"..

 

وبخلاف ذلك فإن العقوبات تطال تلقائيا أي نشاط اقتصادي للأفراد والشركات والدول، وأي تعامل مع النظام الإيراني، وبذلك لا يستهدف قانون العقوبات الأميركي "قيصر" النظام السوري فقط، بل يسعى إلى تفكيك الدعم السياسي والاقتصادي في الداخل السوري والدول المساندة والمجاورة.

 

وقبل سريان "قيصر" تدهور سعر الليرة السورية خلال أيام معدودة بشكل غير مسبوق، وتراجعت إلى حدود 3000 ليرة مقابل الدولار، ما أدى إلى ارتفاع فاحش في أسعار السلع الأساسية واختفى كثير منها عن السوق.

 

اقرأ أيضا: أردوغان "خليفة" الإبتزاز والبلطجة

 

وعلى وقع الارتفاع الجنوني للأسعار في جميع المحافظات السورية، خرجت بعض المظاهرات احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، فقرر الرئيس بشار الأسد، إعفاء رئيس الحكومة وكلف غيره لامتصاص الغضب الشعبي.

 

وتزامن تغيير رئيس الحكومة مع تحذير برنامج الأغذية العالمي، من إنّ أي انخفاض إضافي في قيمة الليرة سينعكس ارتفاعاً في أسعار المواد الغذائية الرئيسية التي يتمّ استيرادها "ما يهدّد مزيد من السوريين بالجوع والفقر وانعدام الأمن الغذائي لتآكل القدرة الشرائية وزيادة نسبة من يعيشون تحت خط الفقر"، خصوصا في ظل سيطرة تجار الحرب الذين راكموا ثروة طائلة وباتوا يتحكمون فيما تبقى من نشاط اقتصادي بالشام.

 

ولأن الاقتصاد السوري يرتبط بنظيره اللبناني، فقد تعرضت البنية التحتية والمنشأت الاقتصادية لدمار واسع بفعل الحرب السورية، ثم توقف ما تبقى من مصانع ومنشآت صناعية وانتاجية نتيجة نقص المواد الأولية، التي كان يتم استيرادها بالدولار من الخارج عبر المصارف اللبنانية..

 

اقرأ أيضا: صراع "العلمنة والأخونة" في تونس

 

إذ أدت الأزمة المالية والاضطرابات التي يشهدها لبنان منذ أكتوبر الماضي والقيود التي فرضتها الحكومة على التحويلات وسحب الدولار إلى انعكاسات سلبية واسعة على الأوضاع الاقتصادية في سورية، لا سيما أن المصارف اللبنانية مفضلة لرجال الأعمال والشركات السورية منذ سنوات طويلة، وقدرت قيمة الودائع السورية الخاصة في مصارف لبنان بأكثر من 50 مليار دولار أمريكي.

 

كما استبق الجيش اللبناني بدء سريان قانون قيصر، بأن أقام أمس "سواتر ترابية" على الحدود مع سورية لمنع عمليات التهريب غير الشرعية، بعد أن تعددت أخيراً شكوى كبار الساسة من استنزاف الاقتصاد اللبناني والاحتياطي النقدي الاجنبي بتهريب المحروقات والقمح إلى سورية أو بتهريب بضائع ومنتجات زراعية وصناعية وغذائية سورية إلى لبنان وبيعها بأسعار تقل نحو 50% عن السلع محلية الصنع بما يضرب الصناعة والزراعة المحلية.

 

ومع الشكوى الدائمة قرر المجلس الأعلى للدفاع في لبنان تكليف الجيش والأجهزة الأمنية تشديد المراقبة على المناطق الحدودية للبلاد، وإغلاق جميع المعابر والجسور غير الشرعية التي أقامها المهربون، واستحداث مراكز مراقبة عسكرية وأمنية وجمركية على الحدود، لتقليل خسائر الاقتصاد اللبناني جراء التهريب..

 

خصوصا في ظل التدهور المالي والاقتصادي غير المسبوق في تاريخ البلد، والنقص الكبير في الاحتياطي الأجنبي الذي أصبح يقتصر توفيره من قبل مصرف لبنان المركزي على استيراد المحروقات والقمح والأدوية فقط، بوصفها سلع استراتيجية لا غنى عنها.

 

يبقى أن قانون قيصر أدى إلى أزمة اقتصادية خانقة في سورية قبل سريانه، وستزيد ضغوطه إنسانياً الأيام المقبلة بعد محاصرة النظام ماليا واقتصاديا وسياسيا ومعاقبة حلفائه لإجباره على حل سياسي للأزمة يوافق قرار مجلس الأمن.

 

الجريدة الرسمية