رئيس التحرير
عصام كامل

صاحب العمارة


«محكمة».. هكذا نادى الحاجب فوقف كل من في القاعة، قبل أن يدخل ثلاثة قضاة بملابسهم السوداء المميزة، والتي قد تبدو للوهلة الأولى أنها ملابس الحداد على العدالة الغائبة عن جزيرة «الأرض السوداء» بالمحيط الهادي منذ عقود.


جلس القضاة وتبعهم الحضور، ومن بينهم ممثلو الدفاع عن أربعة أطراف متخاصمين، كل منهم يدعي حقه في إدارة العمارة الكائنة بوسط الجزيرة، والتي تحظى بموقع مميز، حيث إنها تطل على أربع جهات مهمة، ولا يمكن لأصحاب المصالح في هذه الجزيرة إلا أن يمروا من خلالها ليصلوا إلى مقاصدهم.

في هذه الجلسة سمح القاضي للمتخاصمين أن يتحدثوا بأنفسهم دون اللجوء إلى المحامين، فالرجل المتشح بالسواد يريد أن يسمع من أطراف المشكلة بشكل عفوي بعيدا عن ألاعيب ومناورات المحامين.

المثير في الأمر أن أيا من المتخاصمين لا يسكن العمارة الآيلة للسقوط، هم فقط يتصارعون على ملكيتها للاستفادة من ريعها المتمثل في إيجارات ورسوم وخدمات يدفعها السكان، فضلا عن عدد من المحال التجارية ذات الموقع المميز.

في البداية تحدث الجنرال المتقاعد، وهو رجل عسكري لم يشارك في معركة، لكنه صاحب الحظ الأكبر كونه المتحكم في أمور العمارة فعليا، إذ آلت إليه هذه الملكية دون سندات أو أوراق، هو فقط ورثها عن عمه، الجنرال السابق الذي اضطرته الظروف الصحية وما أصاب عقله من خرف إلى أن يسلم لحكم الزمن، فسلم ابن أخيه مفتاح البوابة الرئيسية ليكون هو الآمر الناهي في هذا المبنى المتصدع.

قال الجنرال: سيدي القاضي، الواقع يقول إن هذا المبنى ملك لي، إضافة إلى أن وجودي يمنح المكان ميزة تدفع عنه مطامع اللصوص، وما أكثر الطامعين في المبنى لاستغلال سكانه.. هم معي في أمان يا مان.

الخصم الثاني، وهو قس أحدب، يستند في حجته على أن له بين سكان العمارة شعبية لا تنكر، فالكثير منهم يتبرك به ويستعين به في مختلف شئون حياته، بل إنه يعالج أبناءهم في بعض الأحيان.

وحين سمح له بالكلمة قال: سيدي القاضي، هؤلاء الغلابة ليس لهم إلا «العبد لله»، هم يعرفون أن هذه الدنيا لا تساوي جناح بعوضة، وأنا وحدي أضمن لهم النجاة في الدنيا والآخرة.

أما الخصم الثالث، فهو مستأجر كل المحال التجارية بالعمارة، ويرى أن عدم وجوده يعني أن هؤلاء السكان لن يجدوا ما يأكلونه، فهو المتحكم في قوتهم، وعن موقفه قال: سيدي القاضي، هل يمكن لهؤلاء السكان أن يعيشوا دون من يمدهم بالطعام والشراب؟ قطعا لا، لهذا ومن أجل هؤلاء الكادحين مكني من العمارة.

وهنا وقف الخصم الرابع، وهو رجل بعينين زرقاوين ويعتمر برنيطة بنية اللون، وقال معرفا نفسه: أنا جون رجل طيب أتيت من الجزيرة المجاورة، لكنني لست غريبا عن سكان العمارة، فجدي الأكبر سبق وأن شغل طابقين في هذا المبنى العتيق، وأنا وحدي من يمكنه أن يساعد هؤلاء المساكين في رفع الظلم عنهم.. كل ما أريده أن تمكنني من العمارة لفترة من الزمن أعيد فيها ترتيب حياة هؤلاء البؤساء.

سرت الهمهمات بين الحضور، فأمسك قاضي المنتصف بمطرقة صغيرة من الخشب، وضرب المنضدة أمامه عدة مرات حتى خفت الصوت، وصاح بصوت جهوري: الحكم بعد المداولة.

هم القضاة بمغادرة المنصة، لكن صوتا من آخر القاعة استوقفهم، إنه شاب صغير عرف نفسه بأنه أحد سكان العمارة، واسترسل: سيدي القاضي، لقد استمتعت لهؤلاء المتخاصمين على امتلاك ما ليس لهم، كل منهم يسوق حجته الواهية، فليس بينهم من يهتم حقا لأمرنا نحن سكان العمارة.

قال القاضي: ماذا تريد يا بني؟

رد الشاب: سمعت أن في القرى المجاورة تقوم كل عمارة باختيار «اتحاد ملاك» من بين السكان ليدير الأمور، فمن يعيش في المكان هو أجدر من يمكنه أن يقرر كيف تسير الأمور، هو من يمكنه تحديد ما يحتاج إلى ترميم أو إصلاح وصيانة حتى يحافظ على بقاء العمارة بحالة جيدة، بدلا من أن تسقط على رءوس قاطنيها.. أليس كذلك؟!

نظر القاضي لمستشاريه، فهمهموا قليلا، قبل أن يطرق القاضي ثلاث مرات بمطرقته الخشبية، ثم قال: فليبق الحال على ما هو عليه يا بني.
الجريدة الرسمية