محمد العزبي.. سفير الأصالة المصرية وفيلسوف الأغنية الشعبية
بين أجواء الحسين الصوفية، وفي أحضان عائلة تعشق الموسيقى، ووالد يعزف الدرامز، ولد المطرب محمد العزبي في 20 فبراير عام 1932، وهذه النشأة التي تضع للحياة كتالوجا خاصا، جعلت الشاب المتخرج حديثًا في كلية التجارة، والموظف في الجمعية العامة للبترول، وكانت آنذاك فرصة لا تعوض، يتمرد على سعادة نمطية، يبحث عنها عموم الناس، ويتجه للفن، يبحث فيه عن «موال» يحكي قصة أخرى يراها لحياته.

تشكلت اهتمامات «العزبي» في بدايته الأولى من لبنات بيئته الفنية، كان أصدقاء والده يمطرونه يوميًا بمختلف الفنون الشعبية، وخاصة الموسيقار الراحل على إسماعيل، فخرج من هذه النفحات الفنية ويطلق موهبته الضخمة على المسارح، في السابعة من عمره، حتى نضج وأصبح نجما لحفلات جامعة القاهرة.
في الخامسة والعشرين من عمره، تعطي الحياة للعزبي طوقا للتوهج، يشترك في مسابقة للإذاعة المصرية بحديقة الأندلس عام 1957، ولم يكن له أغنية باسمه آنذاك، فقدم أغنيات لمحمد عبد المطلب، وكان حوت الأغنية الشعبية، ويكتسح الشاب الصاعد جميع المتسابقين، ويحصل على الجائزة الأولى، ويعرف الجمهور والنقاد والوسط الغنائي والفني بنجم الشباك الجديد.
كما تحفل الحياة بالموانع البشرية، والنفسيات البليدة، هناك أيضا من يتلقف المواهب، ويعتبر تصعيدهم إحياء منطقيًا لفقه التطور الإنساني، وعبادة تمارس في حب الوطن، ساند «العزبي» أحد أعضاء لجنة التحكيم، وطالبه باستكمال مشواره بناء على دراسة مُحكمة للفن، حتى لو كان في صومعة «إبراهيم شفيق»، وهو معهد خاص، تخرج منه نجوم الطرب والغناء، فالتحق به، ومنه أعاد تأهيل نفسه، وتقدم لامتحان الإذاعة، واعتمد على الفور مطربًا في عام 1958.

مرة أخرى يتدخل القدر ويمنحه فرصة ذهبية للعمل بجوار الأب الروحي له، الموسيقار على إسماعيل قائد أوروكسترا فرقة رضا، ويستطيع العزبي ملء فراغ كارم محمود، النجم الذي انسحب منها، ليبدأ مشوار العزبي، ومنها يسطع نجمه بجميع أنحاء العالم، خلال مصاحبته جولات الفرقة، من برلين إلى موسكو، ومن بلغاريا إلى دول الشرق الأقصى، يغني العزبي بجميع اللهجات المصرية، فلاحى، صعيدى، نوبى، مواويل، والآخير توقف عنده وأبدع فيه، ليتحول من مجرد معاون في الفرقة، إلى أحد أهم نجوم الصف الأول فيها.
«الناس معادن ومن أغلى المعادن تلاقي ناس» يشدو العزبي على المسرح بالزي الفلاحي، يأسر الحاضرين من جميع الطبقات المصرية، لم يكن الفن الشعبي آنذاك محددا بـ«مساحة الجملة» كما هو معروف حاليا، كانت متسعا ومتنوعا، ويقبل عليه جميع السارحين في ملكون الفن، والمطرب الشعبي يعرف جيدا أوزان الشعر، ويفرق بين «يا ليل يا عين» المصرية «أوف» اللبنانية، و«مواليا» الغراقية كما يقول وجيه نـدى المؤرخ والباحث في التراث الفنى.
كان العزبي مطربا لجميع المستويات، يضرب المشاعر الإنسانية ويتلاعب بها كلما توهج في موال جديد، يجمع فيه بين الغناء الشعبي والموال، يتحرك بخفة طائر بين الشعر المقفى الموزون، ويتفوق في جميع أبياته، سواء كان خماسيًا أو سباعيًا أو تساعيًا، وهي معرفة فنية راقية، اختفت فلسفتها عن أغلب فناني الشعبيات في الزمن الحالي.
«فكهاني ورمش الهوى قالي.. ياعيون بتحب الملاغية.. جايز مش قاصده وجت فيا».. يقف العزبي بشياكة، يغني «فكهاني»، وهو نوع آخر غير الفواكه الشعبية المنتشرة حاليا، تاهت واندثرت مع حطام الزمن الجميل، يكشف فيها العزبي عن ملائكية صوته الرخيم، وخفة ظله، وهي ملكات عرف بها، منذ انطلاق شهرته الطاغية بعد أغنيتي حتشبسوت، والأقصر بلدنا خلال مشاركته بفيلم «غرام في الكرنك» مع فرقة رضا.
خاض العزبي تجارب عديدة كممثل في «إجازة نصف السنة، وحياة عازب، وحديث المدينة، وتفاحة آدم، وأنا الدكتور»، قرر ترك الفرقة في عام 1969، واستمراره في إشباع جمهوره بجواهره الفنية، فلم يكن يرغب في ربط الذاكرة الفنية له عند المصريين بفرقة رضا، فقدم أغلى الناس، العروسة الحلوة، واليوم الجديد، وعطشان يا صبايا، ويا قاهرة، وموال العشاق، وجميعها من علامات الغناء المصري والعربي.
كان العزبي ضيفا دائما، وعنوانا للأصالة المصرية، في الاحتفالات القومية بأعياد ثورة 23 يوليو، وعيد العمال، وانتصارات أكتوبر، وكذلك الاحتفالات القومية العربية، وكان من أفضل الفنانين المحببين بشكل شخصي لملك المغرب الحسن الثاني، لدرجة أنه طلب سماعه في أغان جديدة من ألحان بليغ حمدي وكان صديقه أيضا، فولدت رائعتهما «عيون بهية» أعاد فيها العزبي اكتشاف نفسه وصنعت له سطوة جماهيرية، يعرفها الكبير والصغير حتى اليوم رغم اختلاف الأذواق واهتمامات الأجيال.
هذا التاريخ الحافل، لم يكن أمام "أسطورة الموال" طريق لاحترامه إلا اعتزال الفن، بعدما تردى الفن الشعبي، وأصبح له قواعد جديدة، ليس من بينها الأصالة والبراعة في معرفة أصول الشعر والموال، وفضل الانعزال تماما حتى توفى في 5 فبراير من عام 2013، عن عمر يناهز 75 عامًا بعد معاناة لم تطل مع المرض، وترك مساحة كبيرة، تاه فيها غيره، ولم يُعرف له وريث حتى الآن


