رئيس التحرير
عصام كامل

مشروعي الاستثماري الأول (3)


على رصيف نقابتنا!
لما باغتني المعلم "زين الزين" كبير الرصافين بالعرض المغري أسقط في يدي، ورغم ترددي الواضح، فإنه لم يظهر أي رغبة في التراجع، والظاهر أن ملامحي المترددة بين نعم ولا، كانت مشجعة له على الدفع بي دفعا أن استقل بجزء معتبر من رصيف نقابتنا المعتبرة، يصبح مقطوعيتي على حد قول نقيبي الجديد الذي سمعته يقول، على سبيل إقناعي، بينما وجهي شارد في صور شتى وأخيلة مضحكة:


- لا مؤاخذة يا أستاذ.. أنت شوية الصحافيين مش غرب عن بعض.. وحيبقي زيتكم في دقيقكم! أهم برضه ناس متريشة وحيعملوا حساب العشرة وأديك ابن كار.. يعني حتتبغدد.. بس اوعى تقل بأصلك ومتدفعش الكارتة!

الرجل يحلم أم أنا الذي يحلم؟ أصل من؟ لم يعد ثمة أصل! كلهم طارئ في ظرف طارئ! الأصليون اختفوا أو اختطفوا أو اندفنوا طوعا. ثم ما سبب قوله إنهم ناس متريشة؟ لا يعلم "زين" أن المتريش في المهنة لا يرى شارع النقابة ذاته ولا حتى يهوب من بابها!

أوجعتني كلمات الرجل دون أن يقصد، وخوفتني في الوقت نفسه... لكن شهقته وهو يغريني بمكاسبها لم تبرح أذني.
هل أطيع نصيحته التي وصفها بأنها لقمة لوز وزيت في دقيق؟ لا أخفي أن بي نزوعا لقبول العرض، ولاعتبرها تجربة جديرة بالخوض، فإن كسبت منها مالا فأهلا، وإن كسبت منها حسرة، فهي مجرد حسرة مضافة إلى بحيرات ممتدة تحت جلدي وفي غرف قلبي من الحسرات والمرارات.

يبدو أن تفكيري امتد بي طويلا، لأني وجدت عيني زين الزين مكفهرة، وممتلئة بزهق وإحمرار، وقبل أن يفتح فمه، عاجلته:
- أوك موافق !

فأطلق ضحكة ساخرة:
- وكمان بتقول أوك يا فالح !؟ ابقى قولها لزبون علشان يستخسر فيك الجنيه!

وبعد برهة:
- لا وبتقولها زي ما تكون بتجاملني ولا بتعطيني حسنة!
- يا عم زين الزين مش قصدي.. قصدت أقول لك اتفقنا.

- من بكرة تستلم حتتك. من بعد العشا على طول حتلاقي "زينهم" ابني واقف هناك، تتعرف معاه على زمايلك الجدد في المهمة، ويتعرفوا عليك.

وفجأة :
- يالا نأخد سولفه ولا سيلفه.. معرفش يا خويا بيقولوها إيه عشان الواد "زينهم" ابنى يعرفك.

وكان فتح كاميرا موبايله وزاحمت رأسه الكبيرة، الملفوفة في شال منقرقش أبيض في أحمر ترابي، صدغي، وضغط بقوة، حتى أحسست أن وجنتى مضغوطة إلى جدار تحت وطأة حذاء ثقيل! أظنها أغرب سيلفى منذ عرفت البشرية التصوير الإليكتروني الذاتي.

انصرفت وكلي هموم وغيوم، ولم أكن سعيدا بالفرصة التي رآها زين لوز اللوز كما يفضل أن يصف ما يراه ذهبا.

بقدر قتالي لإقناعه بترسية رصيف نقابة الصحفيين تحت سلطتي، بقدر زهدي بعد حصولي على مباركته، بل وتشريف "زينهم" ابنه لحضور مراسم التسليم والتسلم والافتتاح مساء الغد.

ماذا سأفعل؟ هل انتحر حقا بما سأفعله؟ ولماذا لا يكون الانتحار للأفاقين والمنافقين والكاذبين؟.. هم يبيعون الوطن على أرصفة البنوك الدولية.. ويكنزون، وأنا أشترى قوت يومي.. فلا موضع للمباكتة داخلى. سأذهب وليكن ما يكون.

كان يوم جمعة. الشارع في مساء شتوي هادئ. بضع سيارات تمر. أنا مررت على قدمي رحت وجئت عدة مرات، تحسست الموقع، تعلقت عيناي بباب النقابة العالي، هبطت نظراتي متدحرجة نظرة وراء نظرة على درجات السلم الذي شهد إغماءات عبد القدوس التمثيلية!

كان يمثل وأنا أمثل، نعم أنا أمثل وسأصنع صدمة، سألقي صفعة، سأجعل أغنياء المؤامرة مضغة، قرصني البرد، فلففت الكوفية حول عنقى، وراق لي أن ألفها حول رأسي فأحصل على دفء وعلى تمويه، وربما على تمويل!

وبينما أنا مستغرق فيما أفعل وفيما أفكر إذا بصوت خشن مبحوح يلسع قفاي كقرصة نحلة مسعورة. التفت مذهولا..
نواصل.. الأحد.
الجريدة الرسمية