رئيس التحرير
عصام كامل

لغز «حماس» و«إسرائيل»!


جاءت اتفاقية أوسلو عام 1993 لتنهي الانتفاضة الأولى، وتؤسس السلطة الفلسطينية بقيادة الراحل ياسر عرفات، وذلك مقابل أن تعترف السلطة الفلسطينية بإسرائيل، إلا أنه لم يكتب لهذه الاتفاقية أن تنفذ بنودها، فاندلعت بعد ذلك الانتفاضة الثانية، التي أدت إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة في عام 2005، لتفتح الباب على مصراعيه لتقوية حركة "حماس"..


حتى انعقاد الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي انتصرت فيها حركة "حماس" بشكل ساحق، وفوز "حماس" في هذه الانتخابات يمثل تحولا تاريخيا في حياة الشعب الفلسطيني، فـ"حماس" منذ تلك اللحظة وهي شوكة في ظهر القضية الفلسطينية، وسبب من أسباب معاناة الشعب الفلسطيني ككل.

فوجود "حماس" على الساحة السياسية الفلسطينية حرم الفلسطينيين من الوصول لأي اتفاق يتم من خلاله حل هذه المعضلة التاريخية، وذلك بسبب الانقسام الفلسطيني الذي جعلنا نرى حكومتين فلسطينيتين.

فلا ننسى أنه بسبب جندي إسرائيلي تم خطفه وهو "جلعاد شاليط" تم قتل المئات وجرح آلاف من سكان قطاع غزة وفي نهاية المطاف تم تسليمه مقابل 19 سجينا حمساويا فقط، فقد نتج عن الحرب الإسرائيلية مع قطاع غزة 2008-2009 استشهاد 1285 فلسطينيا، وجرح نحو 5000.. أما الجانب الإسرائيلي فقتل منه 14 فردا، بالإضافة إلى جرح 300.

أما في الحرب على غزة عام 2012 بسبب مقتل الحمساوي أحمد الجعبري، استشهد نحو 154 فلسطينيا وتم مقتل ثلاثة إسرائيليين فقط.

في عام 2014 وبسبب خطف ثلاثة إسرائيليين في الخليل، تم قتل الطفل محمد أبو خضير بعد تعذيبه على أيادي مستوطنين، مما جعل الأمور تتطور بشكل كبير، وأطلق الجيش الإسرائيلي لعملية "الجرف الصامد"، وردت معه كتائب عز الدين القسام بعملية "العصف المأكول".. ولا ندري هنا من أكل من؟!

فقد استشهد نحو 2147 فلسطينيا 80% منهم من المدنيين، فيما تم قتل فقط 72 إسرائيليا، الأمر المهم لإسرائيل وحماس، أنه بعد كل عملية عسكرية تحدث تهدئة وهدنة، تمكن حماس من استعادة قواها، وتصور حماس كأنها حزب الله، مما يزيد من شعبيتها داخل القطاع والضفة الغربية.

فهل يعقل أن الآلة العسكرية الإسرائيلية الضخمة لا تستطيع هزيمة تنظيم يوجد داخل منطقة مغلقة منذ فترة طويلة؟!

بالطبع إسرائيل تستطيع التخلص تماما من حركة حماس، لكن هذا لا يخدم أهدافها الإستراتيجية في تقسيم الشعب الفلسطيني، لذلك نجد عمليات تقليم أظافر متباعدة للحركة في شكل عمليات عسكرية تخدم أهداف سياسية داخلية دائما، فإسرائيل وحماس لاعبان يحتاجان لبعضهما البعض دائما، ولا يمكن لأي طرف أن يستغنى عن الآخر.

أما فيما يخص الأحداث الأخيرة التي بدأت بمقتل القيادي الفلسطيني "نور بركة" في خان يونس، فهي تثير العديد من علامات الاستفهام، خصوصا أنها جاءت بعد يوم أو يومين من نقل 15 مليون دولار لحركة حماس من الطرف القطري وبموافقة إسرائيلية طبعا، أدت عملية نقل الأموال القطرية إلى انتقادات داخلية لنتنياهو وانتقادات فلسطينية لحماس التي وزعت هذه الأموال على عائلات تتبعها وأفراد الحركة، خصوصا أن هذه الأموال سائلة، لا رقيب عليها.

وهذا يثبت أن إسرائيل لديها مصلحة عليا في الحفاظ على تماسك الحكومة الحمساوية في قطاع غزة، بالسماح بنقل هذه الأموال.

يقول هنا المتخصص في الشأن الإسرائيلي "ميخائيل شيرنوف": إن إذا حكمنا من خلال تصرفات كلا الطرفين، فإنهم لا يريدون أن يتم تطوير أي صراع.

فقط أظهرت حماس إمكانية وجود عدد صواريخ ضخم لديها، لكنها أطلقت فقط على القرى الإسرائيلية المحيطة بغزة، على الرغم من أنها قد تصل إلى المدن الكبرى مثل تل أبيب وبئر السبع، فتم تفجير حافلة نقل جنود فقط بعد خروج الجميع منها، بما في ذلك السائق، فلو قامت حماس بتفجير الحافلة وبها 20 جنديا إسرائيليا، فذلك يعني تدمير بنيتها التحتية تماما.

أما إسرائيل فقامت بقصف محدود جدا لمنشآت القطاع".

المثير هنا أن وسائل الإعلام جميعها تريد تصوير العمليات العسكرية الأخيرة أنها انتصار لحماس لأنها استطاعت أن تعيد بث قناة الأقصى بعد ساعة من قصف، وكأننا نريد أن نعيد تاريخ "هنا القاهرة"، ولم يتذكر الإعلام العربي كم عدد من قتلوا من غزة، وكم عدد من جرح من إسرائيل.

يقولون إن مسألة إطلاق 200 صاروخ هو أمر مرعب لإسرائيل، ونقول كم قتلت هذه الصواريخ من إسرائيل على مدار تاريخ حماس وكم تقتل غارة واحدة إسرائيلية من الفلسطينيين الأبرياء؟

لفهم ما حدث في الأيام الماضية في قطاع غزة يجب علينا الإجابة على هذه التساؤلات:

هل هناك صلة بين هذه العمليات وقضية مقتل خاشقجي"التعتيم مثلا"؟.. هل هي مسرحية مستمرة منذ العام 2006 حتى الآن؟.. هل لدى هذه العمليات صلة بصفقة القرن؟.. وهل لديها صلة بزيارة محمود عباس لسلطنة عمان ومن بعده نتنياهو؟.. ماذا كسب شعب فلسطين منذ ظهور حماس حتى الآن؟.. هذه مجرد أسئلة.
الجريدة الرسمية