رئيس التحرير
عصام كامل

«المسخوطة».. طقوس خاصة للزواج والإنجاب في أسيوط (صور)

فيتو

على الرغم من انتشار العلم والتكنولوجيا في العصر الحديث، فإنه ما زالت هناك بعض العادات التي تستند على الخرافة والجهل والدجل والشعوذة التي يقوم بها بعض أبناء الصعيد في القرن الواحد والعشرين الأمر الذي يلقي على عاتق الأزهر ووزارات الثقافة والتربية والتعليم والتعليم العالي والأوقاف وكذلك الإعلام مسئولية تنوير وتوعية أهالي الصعيد بجانب تنميته لانتشاله من براثن الجهل والفقر والمرض والتطرف.


ففي أعلى جبل عزبة يوسف التابعة لقرية العتمانية بمركز البدارى في أسيوط يوجد تمثال يسمى بـ"المسخوطة" يعتقد بعض سكان القرى المجاورة لهذه القرية أن هذه "المسخوطة" تستطيع قضاء حوائجهم من زواج العوانس والشفاء من العقم وغيرها من الحوائج، ويقصدها المئات من المواطنين قادمين من مسافات بعيدة.

زارت «فيتو» موقع "المسخوطة" ورصدت أبرز عادات وتقاليد بعض الأهالي، حيث يثقون في بركتها وخاصة في حالات العقم وتأخر الإنجاب، رغم أن المنطقة بعيدة عن الكتلة السكنية ومحاطة بالجبال وتمتلئ بالمغارات والدروب والمدقات وراء الجبل والأمن لا يعيرها انتباها وتتكرر بمحيطها العديد من حالات القتل والخطف التي تتم خلف الجبل بسبب التنقيب عن الآثار وهوس الثراء السريع.

وتحرص السيدات على زيارة "المسخوطة" كل جمعة تبركا بها ورغم أن الطريق غير ممهدة وتحتاج لأكثر من نصف ساعة للوصول إليها إلا أن الخرافات والأساطير التي تدور حول قوة وبركة الطواف حول "المسخوطة" وملامستها تجعل السيدات يقبلن بشكل كبير على زيارتها أكثر من مرة، والمثير في الأمر أن كثيرًا ممن يقصدونها على درجة من العلم في عصر تقدم فيه الطب والكشف الحديث، ولكن ما زالت مستمرة هذه الخرافات.

وصف التمثال
و"المسخوطة" عبارة عن تمثال من الحجر ليس له ملامح محددة به وجه مشطوب ويدان ممتدان مستويتان على الأرجل، ويوجد أعلى جبل عزبة يوسف بمفرده لا يحيط به أي آثار أخرى يصل طوله لمترين وعرضه متر ونصف ويحاط بصندوق حديدي من جميع الجهات، على شكل امرأة جالسة وأمامها بطن بارز مما جعل الأهالي يظنون أن لها يدا في الإنجاب، حيث يشبه التمثال حجم السيدة الحامل في الشهور الأخيرة، وأسفل التمثال على بعد متر ونصف يوجد 7 مقابر لأطفال صغار يقال إنهم أولاد السيدة وجميعهم ماتوا حزنا عليها ودفنوا أسفل منها.

العشق الممنوع
ويشير الأهالي في المنطقة إلى أن التمثال الذي يصل تاريخه لأكثر من 2500 عام حسب مفتشي الآثار، تحيطه الكثير من الخرافات والأساطير فمنهم من يؤكد أنه كان لسيدة لديها سبعة أبناء وزوجها سافر للحرب، ولكنها خانته مع آخر ووقتها كانت تستحم باللبن لتتجمل له ورآها أحد أطفالها في أحضانه فغضبت السماء عليها وسخطت على وضعها هذا، بينما يشير آخرون إلى أن السيدة ضحت بأولادها في سبيل العشق الممنوع وحملت منه فحلت عليها اللعنة وسخطت فمات أطفالها أمامها مباشرة أمام العامة على وضع الحمل بعدما اتهموها بالزنا ولذلك سميت المسخوطة.

التاريخ الأثري
ويؤكد محمد أبو ضيف مفتش الآثار بمركز البدارى أن التمثال يعود لإحدى زوجات حكام الإقليم العاشر وآثار منطقة البداري ولها مرجع تاريخي وحضاري مهم، حيث تعتبر حضارتها من أغنى حضارات مصر في العصر الحجري فهي صاحبة ثاني أقدم حضارة في التاريخ، وأول من عرف زراعة القمح في العالم وتعتبر النقلة الأولى لحضارتي نقادة الأولى ونقادة الثانية وتضاهي حضارتي بابل وآشور بالعراق، وهي أهم حضارات عصر ما قبل التاريخ لحضارة الفراعنة والتي سبقت غيرها في مناحي الحياة وعادات الدفن وعقائد الآخرة، ومقابر عزبة يوسف بالأخص تُعد واحدة من أهم المقابر بمركز البدارى.

خضة المقابر
وتصف أم الأبلق إحدى سكان المنطقة، طريقة زيارة "الست المسخوطة" لتحقيق المراد بعدة مراحل، أولها أن تضع "المشاهرة" وهى خيط أبيض مربوط 7 مرات وقت ظهور هلال الشهر الهجري ويجب أن تكون السيدة طاهرة قبل أن تطأ المكان ثم تتسلق الجبل وتبدأ في المرور والطواف في المفارق أمام التمثال 7 مرات وتمر من بين مقابر الأطفال السبعة وتأتى بـ7 حصوات من الجبل وتلقيهم مع المشاهرة وتلف المفارق عند مدخل التمثال وتدعو الله أن يمن عليها بالإنجاب أو بالفرج.

وأشارت إلى أن "الخضة" إحدى العوامل المساعدة لتهيئة الزوجة للإنجاب وعليها أن تجلب شخصا آخر برفقتها يقوم بإفزاعها أثناء إغماض عينيها والطواف.

الدحرجة
وأضافت أم الأبلق أن هناك حالات مستعصية وصعبة تلجأ فيها إلى زيادة المجهود من خلال فعل ما سبق وعليها التدحرج من أعلى الجبل فتلجأ السيدة للتدحرج أمام التمثال بعد الانتهاء من الطقوس على الكثبان الرملية وحتى تصل للأرض، لافتة إلى أن المكان ليس فقط لتلك الطقوس وإنما يلجأ اليه البعض وخاصة السحرة لدفن السحر الخاص بهم لأنها من جهة تكون بعيدة عن الأهالي ومن جهة أخرى يوجد بها فتحات يصعب معها العثور عليها.

ويصف الدكتور هاني نجيب، طبيب نساء، تلك الوقائع بالشعوذة والدجل، لافتا إلى أن السيدات تلجأ لتلك الطريقة ليس لعدم وجود أطباء مهرة أو افتقارهم للأموال وإنما كغيرها من العادات فهي ثقافة توارثها الأجيال فجعلت منها حلا لأغلب المشكلات من وجهة نظرهم وخاصة إذا صادف الحظ إحدى السيدات وتحققت رغبة إحداهن فتتجه الأخريات إلى نفس الطريقة فيقصدها الكثير من السيدات.

ولفت نجيب إلى أن تمثال المسخوطة يثير العديد من التساؤلات وخاصة أن هيئة الآثار لا تهتم به ولا تجعله مزارا سياحيا أو تمهد الطريق لزيارته من قبل الأجانب حتى بات التمثال ملاذا للجهل والتخلف والشعوذة وأضحى زواره من السيدات العاقرات والسحرة وقاصدي الدجالين بدلا من إشهار تاريخه الحضاري وإبراز قيمته.

وزعمت أم قاسم الأبلق إحدى سيدات المنطقة، أن هناك بعض الحالات التي استجابت لها المسخوطة ومنحتها بفضل الله الإنجاب.
الجريدة الرسمية