محمد عرفان.. «القناص»
الخميس التاسع من أبريل في العام ٢٠١٥ كانت هيئة الرقابة الإدارية على موعد مع بدء مرحلة فارقة في أداء رجالها منذ نشأة الجهاز، حتى اليوم، فقد ارتبط ذلك التاريخ بإصدار رئيس الجمهورية قرارا بتعيين الوزير محمد عرفان، رئيسًا لهيئة الرقابة الإدارية، لتتغير سياسة العمل تمامًا داخل إدارات الجهاز، وبشكل مذهل، وتتحقق نتائج رائعة على أرض الواقع تمثلت في وقائع ضبط بالجملة للفاسدين وتحجيم جرائم الرشوة واستغلال النفوذ، إلى جانب المشاركة الجادة في وضع ضوابط لمشروعات وإنجازات افتتحها الرئيس بعد فحص الرقابة لأوراقها وإشرافها على مراحل تنفيذها.
عرفان، وهو الرئيس رقم ٩ في تاريخ الهيئة، تميز عن غيره ممن سبقوه في منصب حامي أموال الشعب، بمدة خدمته التي تزيد على ثلاثين عامًا داخل إدارات الرقابة المختلفة وتدرجه في شتى المناصب؛ نائبًا لرئيس مكتب الرقابة بالإسكندرية، ورئيسًا لمكتب الهيئة بالأقصر عام 2001، ثم رئيسًا للإدارة المركزية للرقابة على وزارة المالية والضرائب والجمارك والتأمينات الاجتماعية عام 2009، ثم رئيسًا لقطاع الأمانة العامة عام 2013 وآخر منصب شغله رئيس قطاع العمليات الخاصة.
حصل «عرفان» على العديد من الدورات التدريبية في مجال مكافحة الفساد، منها دورة بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1995، وكذلك دورة بدولة فيتنام عام 2000، ودورة بمعهد العلوم الجنائية التابع للأمم المتحدة عام 2002.
ومنذ اليوم الأول لتوليه مهام منصبه بدا واضحًا أن الرجل له سياسة مغايرة تماما عن أي رئيس سابق للهيئة، وظهر ذلك جليًا في أول تعليمات له بأنه لا خطوط حمراء في مواجهة الفاسدين، معتمدًا في ذلك على دعم الرئيس السيسي، لتشهد الهيئة إنجازات في ضبط الفاسدين منذ عامين حتى اليوم تفوق ما تحقق منذ إنشاء الرقابة.
إلا أنه ورغم ذلك كانت هناك توجيهات من عرفان لضباطه بانتهاج سياسة جديدة في العمل، وإضافة مهام أخرى لهم تمثلت في تعليمات بعدم التركيز في عمل الأعضاء بالوزارات والهيئات الحكومية على تصيد الأخطاء للمسئولين فقط، بل التوجيه نحو التعرف على مشكلات سير العمل بانتظام والسعي للتنسيق بين الوزارات لحل أي أزمات تعوق التنمية والتطور.
أضاف عرفان إدارة جديدة أصبحت معنية بمتابعة ملف الاستثمار في شتى القطاعات والعمل على حل مشكلات المستثمرين لجذب أكبر عدد منهم للعمل بمصر.
“القناص” لقبٌ يستحقه عن جدارة عرفان؛ فقد استفاد الرجل من دعم الرئيس السيسي في عدم التهاون مع الفاسدين واقتنص رئيس الرقابة ومعاونوه الفرصة وقاموا بتوجيه لكمات عديدة لمافيا الفساد في شتى أجهزة الدولة؛ من الوزير حتى الخفير كان آخرها: القبض على تشكيل عصابي ضم ٧٥ متهما بتهم التزوير والاستيلاء على المال العام والخاص رافعين شعار “لا أحد فوق القانون”؛ ما أسهم في إنعاش الشعور بالأمل لدى الشعب في مكافحة الفساد وانهيار عصر المحسوبية والواسطة والرشاوى واستغلال النفوذ وضياع حقوق البسطاء.
عرفان يتميز بالهدوء والرقي في التعامل، وكلها أدبيات البيئة التي تربى فيها وتظهر في سلوكياته الشخصية، لكنه في الوقت ذاته يرفض تمامًا المجاملة أو التراخي في العمل، وشطب من قاموس تعاملاته “حوافز الإجادة، والمكافآت”، فما يؤديه الرجال هو واجبهم.. ولم تعد مصطلحات الإجازات متداولة، ولا تحظى كلمة الراحة بمساحة كبيرة في حياته العملية، فيوميًا يوجد في مكتبه بالهيئة منذ الصباح الباكر، ولساعات طويلة دون كلل أو ملل لإيمانه بأن الوجود والمتابعة المستمرة للعمل تسهم في مزيد من الانضباط لرجاله، وتساعد في تنمية الشعور لديهم بالتحفيز لبذل مزيد من الجهد.. حتى إنه قرر أن يكون محل إقامته الشخصية قريبًا من مبنى الرقابة ليوجد بها أطول وقت ممكن.
الأيام الأولى لتوليه مهامه كانت من أصعب الفترات على نفوس الضباط، لا سيما أن حجم المطلوب منهم في العمل كان يتطلب جهودًا خارقة، وتسبب في حالة من الوجوم على وجوه الكثيرين منهم نظرًا للضغط الشديد في أعمالهم، لكنه سرعان ما تحول لشعور بالحب والفخر بوجود الرجل بينهم بعد كل ما تحقق من إنجازات وإشادة الكبير والصغير بالهيئة ورجالها وإعادتها إلى بؤرة الضوء بشكل يتناسب مع تاريخها والهدف الذي أُنشئت من أجله.
يحرص عرفان على صقل مهارات رجاله، وتطوير أدائهم رغم أن عددهم لا يتجاوز الـ٥٠٠ عضو، فصمم على زيادة مساحة الدورات التدريبية وفتح آفاق من التعاون مع هيئات عالمية في أعمال مجابهة الجرائم المتعلقة بالمال العام.
ونجح “القناص” في استثمار نجاحات أعضاء الرقابة لتنال الهيئة في عهده موافقة مجلس النواب على تعديل مواد عديدة في قانونها؛ مما أضفى مزيدًا من القوة لعضو الرقابة، إلى جانب تفعيل أعمال اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، وتطوير أداء قطاع العمليات الخاصة.
وفي الأيام الأولى من العام الجديد لا بد أن نستدعى قراره بإلغاء تقديم الهدايا، والأجندات، والنتائج، وغيرها، ومنع طباعتها؛ بهدف توفير أموال الدولة.
هو قليل الظهور إعلاميا ويعتذر عن عدم قبول دعوات اللقاءات والأحاديث الإعلامية والصحفية بدبلوماسية شديدة لكنه في الوقت ذاته يهتم بمتابعة كل ما ينشر أو يقال في أحاديث تليفزيونية، وما تنشره الصحف.
