رئيس التحرير
عصام كامل

محمود العالم يكتب: جمال حمدان عاشق مصر

الباحث والمفكر جمال
الباحث والمفكر جمال حمدان
18 حجم الخط

في مثل هذا اليوم عام 1993 رحل الباحث والمفكر جمال حمدان، إثر حادث أليم، وبهذه المناسبة تنشر "فيتو" مقالا كتبه المفكر محمود أمين العالم ونشرته مجلة الهلال عام 1982 قال فيه:


في أواخر الأربعينيات كنت أعمل أمينا لمكتبة قسم الجغرافيا بآداب القاهرة، ورغم سعادتي بالعمل فيها إلا أنى أعيش إلى حد كبير تناقضا بين دراسات قسم الجغرافيا (تضاريس ـ ظواهر طبيعية) وبين استغراق آنذاك في اهتمام وهموم وأحلام فلسفية. 

كنت متخرجا في قسم الفلسفة وما أكثر المناقشات التي كانت تدور في المكتبة بين الطلبة والأساتذة وبين الأساتذة والأساتذة.. على أن الطالب جمال حمدان كان فارس الفرسان في ساحة الحوار.

استشعرت نبوغه منذ حوارنا الأول، لم يقف الأمر عند سعة إطلاعه وذكائه وعمق حجته، بل كان شعلة من قلق خلاق يستوعب وينتقد ويرتعش بالتساؤلات الفنية، وبإرادة الغوص إلى الأعماق البعيدة.

لقد ترك في أذنى طويلا أصداء أحاديثه الحارة حول البحث عن رؤية منهجية جديدة للجغرافيا، وبعد سنوات أجدنى على المستوى الشخصى أريد أن أواصل أو أنقطع من حديث بين حمدان وبينى وأتطلع بأمل كبير أن يخرج جمال حمدان من عزلته شبه الصوفية إلى الجماهير من قرائه ومحبيه.

لقد استطاع حمدان أن يحقق رؤية علمانية حمدانية خاصة للجغرافيا في كتابه شخصية مصر، والكتاب ليس علميا تقريريا، بل هو بفضل علميته يوظفه توظيفا أيديولوجيا لخدمة هدف ليس فقط هدفا معرفيا بل هدف سياسي اجتماعى قومى فكرى.

إن حمدان لا يكتب لنا كتابا عن شخصية مصر، وإنما يقيم بهذا الكتاب سدا جديدا لمصر في مواجهة محاولات شتى لهدم روحها والقضاء على شخصيتها القومية فيقول: "في هذا الوقت الذي تتردى فيه مصر إلى منزلق تاريخى مهلك قوميا، ويتقلص حجمها ووزنها النسبى بين العرب وينحسر ظلها نقول في هذا الوقت نجد مصر نفسها بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة النظر والتفكير في كيانها ووجودها ومصيرها".

ثم يقول: بالعلم وحده فقط لا بالإعلام الأعمى ولا الدعاية المدعية ولا التوجيه القسرى والمغرض يكون الرد.

وهذا الكتاب ذو الألفين وخمسمائة خمسة وثمانين صفحة هو الرد على محاولات طمس الشخصية.. إنه دفاع عن مصر واقعا جغرافيا وإنسانيا ومكانيا وتاريخيا وقوميا واجتماعيا، إنه في الحقيقة ملحمة في حب مصر.. فجمال حمدان عاشق عظيم لمصر وعاشق عظيم للحقيقة، ولأن عشقه عظيم فهو عشق يقظ مسئول واع.
الجريدة الرسمية