رئيس التحرير
عصام كامل

حكايات مرعبة من داخل جمهورية الخوف.. السودان تحول لسجن كبير في عهد البشير..«بيوت أشباح» لتعذيب المعتقلين.. معسكرات لتدريب الإرهابيين.. تفكيك الجيش خشية الانقلاب.. وتكميم أفواه وإغلاق صحف

18 حجم الخط

تعيش السودان هذه الأيام أزمة صراع مكتومة بين النظام والشعب، حركتها نيران الأسعار من جهة وزاد الطين بلة توجه حكومة الرئيس عمر البشير، إلى تحويل الدولة إلى «جمهورية خوف»، يمارس داخله التنكيل والترويع وتكميم الأفواه.


يتوهم نظام الحكم أن آلة القمع قادرة على حماية أركانه من الاهتزازات، متناسيا غضب الشعب الذي توصفه علوم السياسة بـ«البركان» يطلق الحمم بدون سابق إنذار.

البشير الذي أتم 28 عاما منذ تولي السلطة في يونيو 1989، تناسى مساندة شعبه له أمام الجنائية الدولية، وصبرها على الأوضاع الاقتصادية في ظل العقوبات الأمريكية، ومع اشتداد عوده بسبب المنح السعودية ورفع العقوبات الأمريكية، قرر مكافأة شعبه على سنوات الصبر بـ"كأس الذعر".. وخلال التقرير التالى ترصد" فيتو" أهم الملفات الملتهبة بالخرطوم التي اوشكت على الانفجار في وجه "مهيب الركن" الجديد.

تحالف إسلامي

ويقود الرئيس السوداني عمر البشير تحالفا معقدا غير رسمي، يضم إسلاميين ومنتفعين وجنرالات بالجيش ومسئولين أمنيين.

وزادت قوة الأجهزة الأمنية، التي حظيت بسمعة سيئة من التعذيب والقمع خاصة فيما عرف بـ "بيوت الأشباح"، حيث كان يختفي المعتقلون.

وتتهم المنظمات الحقوقية العالمية، عهد عمر البشير بانتشار واسع للاعتقالات السياسية والتعذيب وقمع الاحتجاجات الطلابية والعمالية.

وتشير تقارير المعارضة السودانية، إلى أن البشير يلقى دعما هائلا من الحركة الإسلامية والتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، بهدف استقراره على سدة الحكم وتحويل البلاد لمعسكر كبير لتدريب مليشيات وعناصر إرهابية.

حروب لا تنتهي

أيضا السمة التي هيمنت على فترة حكم عمر البشير المديدة، هي الصراع إذ لم تشهد السودان يوما واحدا من الهدوء منذ الانقلاب الذي قاده رئيس البلاد. وتحولت حرب الجنوب (1955-2005) إلى حرب جهادية، تم تصويرها على أنها حرب الشمال المسلم ضد الجنوب الكافر.

وقبل عامين من نهاية الحرب بجنوب السودان، بدأت حرب إبادة جماعية جديدة في إقليم دارفور غربي البلاد في العام 2003، وهي ما زالت مستمرة حتى الآن، على الرغم من العديد من اتفاقات السلام التي تم توقيعها مع عدد من الحركات المسلحة. وفي عام 2011، تجددت الحرب في إقليمي جبال النوبة «جنوب كردفان» وجنوب النيل الأزرق، وتستخدم الحكومة السودانية أغلب مواردها لتموين حروبها ضد مواطنيها بالأقاليم المختلفة.

درافور جرائم لا تنتهي

وفي أكتوبر 2016، اتهمت منظمة العفو الدولية في تقرير رسمي القوات السودانية بأنها شنت نحو 30 هجوما بين يناير وسبتمبر2016 ضد بلدات في منطقة جبل مارة بدارفور في إطار حملة عسكرية أوسع نطاقا ضد المتمردين.

ورجحت منظمة العفو أن يكون "ما بين 200 و250 شخصا قد قتلوا نتيجة تعرضهم لمواد كيميائية، غالبيتهم أطفال" وذلك خلال هجمات وجهت أصابع الاتهام فيها إلى السودان الموقع منذ العام 1999 على معاهدة لمنع الأسلحة الكيميائية.

وكان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينيو أوكامبو، أصدر مذكرة توقيف بحق البشير بعد نزاع مسلح بين القوات الحكومية السودانية وقوات الجنجاويد «ميليشيا مسلحة مؤلفة من بعض بطون القبائل العربية مثل البقارة والرزيقاتة».

وبحسب تقديرات الأمم المتحدة فإن الكارثة الإنسانية التي حدثت في دارفور، خلفت أكثر من 2 مليون مشرد، و300 ألف قتيل، وأيًا كانت الأعداد التي اختلفت في التقارير، اعتبرته الجنائية الدولية جريمة حرب يجب اعتقال البشير بعدها، وتقديمه للمحاكمة.

وصدر بحق السودان ولأول مرة نحو عشرين قرارا من مجلس الأمن الدولي بخصوص دارفور وحده. كما أصدرت الجنائية الدولية خمس مذكرات توقيف بحق مسئولين سودانيين بينهم الرئيس عمر البشير.


انهيار الجيش السوداني
وحسب تقارير إعلامية سودانية، ذكرت أن الرئيس عمر البشير عمل على تفكيك الجيش السوداني، خوفا من تدبير انقلاب عسكري على نظام حكمه.

ومنذ عام 1989 وحتى العام 2013 تمت إحالة أكثر من 9 آلاف ضابط للصالح العام - حسب إحصائية غير رسمية -، وأغلبهم من أحسن الكفاءات والخبرات في علوم العسكرية، بحسب صحيفة "الراكوبة".

وكشفت المحاكمات العسكرية التي شكلها النظام السوداني، لمحاكمة ضباط محاولة انقلاب 22 نوفمبر 2012 عن فساد وزير الدفاع الفريق أول عبد الرحيم حسين، واستجلابه أسلحة فاسدة من روسيا.


سنوات من القمع

ويعاني الشعب السوداني في ظل النظام الحالي من التضييق؛ إذ حرص نظام حكومة الإنقاذ ذو التوجه الإسلامي، منذ وصوله على سن قوانين واستصدار نظم ولوائح تحد من حركة السودانيين، كما حظر النشاط السياسي، لفترات متعددة وحارب الأحزاب المعارضة وعمل على تفتيتها.

وشهدت البلاد العديد من التظاهرات في السنوات الأخيرة، فعلى سبيل المثال اعتقل نحو ألف شخص، عقب تظاهرات ضد حكومة البشير في 2012، كما قُتِل أكثر من 170 متظاهرًا ومتظاهرة خلال أسبوع واحد في سبتمبر 2013.

وفي العام 2014 اندلعت احتجاجات شعبية ضد نظام حكم البشير ردا على قرارات رفع الدعم الحكومي على المحروقات سقط فيها برصاص الأمن ما يقارب على 200 متظاهر، بحسب تقديرات المعارضة وقتها.

وتجددت في 2016 بعد قرارات رفع أسعار الوقود والأدوية والكهرباء وكالعادة تعرضت المظاهرات للقمع من قبل مليشيات حزب المؤتمر الوطني الحاكم والأجهزة الأمنية السودانية.

وأعرب نحو ثلاثين مسئولا في المؤتمر الوطني الحاكم في السودان عن معارضتهم لقمع المتظاهرين خلال رسالة وجهوها إلى الرئيس السوداني عمر البشير.

ومن أبرز الموقعين على هذه الرسالة غازي صلاح الدين المستشار الرئاسي السابق والعميد السابق في الجيش السوداني محمد إبراهيم. وتضم لائحة الموقعين على الرسالة أيضا ضباطا كبار في الجيش والشرطة متقاعدين وأعضاء في البرلمان ووزير سابق.


قمع الصحافة

وتعرضت حرية الرأي والتعبير والصحافة لقمع كبير من قبل الأجهز الأمنية السودانية، ويعدي عامي 2015 و2016 الأسوأ في قمع الصحف بالسودان، فقد صادر جهاز الأمن والمخابرات في فبراير 2015 (15) صحيفة في يوم واحد عقب طباعتها مباشرة، من بينها صحيفتان اجتماعيتان لأول مرة، وسبب المصادرة هو إثارة موضوع اختفاء أحد الصحفيين في ظروف غامضة!

ومايو 2015 صادر جهاز الأمن السوداني عشر صحف بعد طباعتها بسبب نشرها لخبر يشير إلى وجود حالات اغتصاب في حافلات نقل أطفال الرياض وتلاميذ المدارس.

وقام جهاز الأمن السوداني ممثلا في جهاز الأمن والمخابرات التابع للرئاسة في 25 مايو بمصادرة 9 صحف يومية خاصة بعد طباعتها، وهي.. “السوداني، والجريدة، وآخر لحظة، والانتباهة، والرأي العام، وألوان، والتيار، والخرطوم، واليوم التالي”. ويُذكَر أنه تم تعليق صدور “الجريدة” و”آخر لحظة” و”الخرطوم” و”الانتباهة” إلى أجل غير مسمى، ولم توضح السلطات أسباب المصادرة وتعليق الصدور.

ولم يختلف كثيرا عام 2016 عن سابقه، فقد تعرضت الصحافة السودانية لانتهاكات خلال 2016، وصادر جهاز الأمن السوداني عددا من الصحف السودانية في مقدمتها صحيفة «اليوم التالي» وصحيفة « الجريدة» وصحيفة «الأيام» وصحيفة «التيار» بالإضافة إلى اعتقال العشرات من الصحفييين، وفي 28 نوفمبر الماضي أوقفت السلطات السودانية بث قناة أم درمان الفضائية، مع تصاعد حملة العصيان المدني ضد حكومة البشير.
الجريدة الرسمية