رئيس التحرير
عصام كامل

ليلة اغتيال الأحلام.. في ذكرى محرقة مسرح بني سويف «تقرير»

ضحايا محرقة مسرح
ضحايا محرقة مسرح بني سويف
18 حجم الخط

• الزمان: مساء يوم الخامس من سبتمبر عام 2005.
• المكان: قاعة الفنون التشكيلية بقصر ثقافة بني سويف.
• الحدث: دقائق قليلة ويسدل الستار  عن العرض المسرحي «من منا»، المأخوذ عن قصة «حديقة الحيوان»، والذي تقدمه فرقة نادي مسرح الفيوم في مهرجان نوادي المسرح الخامس عشر .

 العرض من النوع الذي يطلق عليه "مسرح الغرفة"، حيث أُعدت قاعة الفنون التشكيلية بديكورات من الخشب والكرتون والأقمشة لتتحول إلى مكان واحد، شِبه مغلق، يحوي الممثلين والجمهور، مكان استعار إضاءته الرئيسة من الشموع التي تناثرت بشكل جمالي معبر، مستعينة ببعض المصابيح الملونة القليلة المسلطة على منطقة التمثيل، لتمتزج ألوان الديكور الشاحبة بالإضاءة التي عكستها جباه الممثلين اللامعة بحبات عرق بعد أن نال منهم الإجهاد وقد أوشكوا على الانتهاء من عرضهم، حصاد شهور  طويلة من التدريب والبروفات، منتظرين جائزتهم الكبرى، وهي إعجاب وتصفيق هؤلاء الحضور الجالسين الذين يتابعون بشغف واهتمام.

لحظات وينسدل الستار وينتهي العرض.. لحظات وينتهون من شقاء الانتظار..
لحظات ويجنون ثمار جهدهم، حينما يلتف حولهم زملاؤهم وأصدقاؤهم وغيرهم من أفراد الجماهير مهنئين، لحظات تشعرهم بـ"القيمة" .. تشعرهم بـ"نجومية" مؤقتة .. نجومية طالما تمنوها وطالما افتقدوها، وهم يرون الشهرة والأضواء لا تأبه بهم ولا تلتفت إليهم أو لما يقدموه مهما بلغ إخلاصهم وموهبتهم.

دقائق من السعادة الخالصة لا يشعر بها إلا من كابد الكثير من أجلها .. كابد واقعًا لا يرحم .. واقعًا يطأ أحلامهم .. مجتمعًا لا يقدر فنّهم .. أهلًا يضغطون عليهم لـ"الالتفات لمستقبلهم".. ورفاقًا يسخرون منهم .. لقمة عيش يصلون الليل بالنهار لتوفيرها .. 

تأتي هذه الدقائق بعد نهاية العرض مانحةً إياهم منديلًا يجففون به عرقهم، مطرحة عليهم نسمة هواء تنسيهم إلى حين كل الشقاء، ولا يبقى سوى فرحة ..  سعادة مبتسرة .. لكنها تستحق.

لم يشعر الحضور بالوقت، فقد جذبهم أداء الممثلين وتوحدوا معهم، حتى لم يعد يُسمع في هذه القاعة  بين أصوات المؤدين إلا أنفاس الجمهور المشدوهة للعرض .. لا يشعرون بشيء إلا بأيديهم تتأهب للتصفيق الحار بعد لحظات تعبيرًا عن تقديرهم وإعجابهم بما رأوه..
كان هذا هو المشهد في هذه اللحظة من ذلك اليوم المشهود .. وقبل دقائق من نهاية العرض وانسدال الستار ..  

ولكن هذه "النهاية" لم تأت أبدًا .. بل أتت نهاية أخرى اختارتها لهم الأقدار .. لم تحمل لهم ما انتظروه وتمنوه .. بل حملت لهم نارًا موقدة فُتحت عليهم من حيث لا يدرون .. نارًا فجأة ملأت كل الفضاء حولهم، "سينوغرافيا" النيران.. نارًا راحت تأكل أجسادهم، غير مفرقة بين ممثل ومشاهد وعضو لجنة تحكيم .. وتحولت هذه القاعة التي كانت تحتضن منذ لحظات أحلامهم وإبداعهم.. تحولت لموقد يشوي، بلا رحمة، جلودهم ويزهق أرواحهم.. 
وكما ظلوا طوال حياتهم نجومًا منسية لا يرى "نورهم" أحد .. كانوا في مشهدهم الأخير، مشهد موتهم، منسيين، لم يرَ "نارهم" أحد.. 

لم يكن هناك، في دولة خربة أحرقها فساد أكثر من ربع قرن، عربة مطافئ أو إسعاف أو حتى "طفاية حريق"!
ليذهب في لحظات أكثر من 50 فنانًا ومبدعًا .. 50 إنسانًا يحلم.. راحوا شهداء، شهداء واجبهم الذي راحوا وهم يؤدونه.. رسالتهم، وهم يقولون كلمتهم..
وكانت نهايةً مؤلمة لحياةٍ .. ربما كانت للكثيرين منهم .. أكثر ألمًا.

شاهد على الحدث
المؤلم أكثر .. بل المفجع، أن عدد ضحايا الإهمال الذي أعقب الحادث كان أكثر ممن مات بشكل مباشر في الحريق، كما يقول أحمد زيدان، شاعر بهيئة قصور الثقافة، وأحد شهود محرقة بني سويف، إن الحادث يجسد حالة الإهمال العامة التي عاشتها مصر في هذه الفترة.

وأوضح "زيدان" أن المعالمة السيئة التى تلقاها المصابون أشد جسامة من الحادث نفسه، فعربات الإسعاف لم تأتِ لنقل المصابين للمستشفي، واعتمدنا فى نقلهم على الميكروباصات وعربات ساكني منطقة قصر الثقافة، كما تأخر وصول الحماية المدنية لوقت كبير ما أدى الى تفاقم الأزمة والحريق.

وأضاف "زيدان" أنه كان يقف خارج قاعة العرض وفوجئ بالحريق، وتصاعد ألسنة اللهب، وبدأ بعض المصابين يخرجون من القاعة مشتعلين، ولكن يبقى أغرب ما حدث عند وصول المصابين إلى المستشفى واحتجازهم حتى "يقطعوا تذاكر الاستقبال: رغم ما يعانوه من حروق  وآلام، بل إن المفارقة الأشد أن المسئولين والأطباء هبوا لاستقبال وزير الثقافة عند علمهم بوصوله وتركوا المصابين في طرقات المستشفى!

أسباب سياسية
قال الفنان محمد العمروسي، أحد المصابين في الحريق، إن خوف المسئولين في المحافظة من تكرار المحرقة لم يدفعهم لتزويد القصر بما يفتقده من مقومات الحماية المدنية المطلوبة، بل قرر المحافظ إيقاف أنشطة القصر، خاصة مع ما تشهده المحافظة من حالة توتر بين أهلها، بين عناصر جماعة الإخوان الإرهابية.

وأكد "العمروسي" أن محرقة مسرح بني سويف 2005 كانت عن عمد، نتيجة مشكلات بين قصر الثقافة وإدارة مسجد مجاور كان يسيطر عليه جماعات متطرفة، كما أن العنصر السياسي لعب دورًا فيها، مشيرًا إلى احتمال تورط جماعة الإخوان في الحادث خاصة مع مواكبته الانتخابات الرائاسية آنذاك.

الإغلاق
ويعترض جمال ياقوت، وأحد مصابي المحرقة، ومدير قصر التذوق بالإسكندرية، على قرار غلق محافظ بني سويف لقصر ثقافة المحافظة بعد مرور أكثر من 10 سنوات على المحرقة، مؤكدًا أنه لا يجوز غلق مكان ثقافي، ربما كان قرارًا صائبًا  عقب الحادث من منطلق الحفاظ على الأرواح، لكن بعد كل هذه السنوات؟
وأوضح ياقوت أن قصر ثقافة بني سويف تم افتتاحه مؤخرًا بعد عملية تطوير كبيرة استمرت لشهور، ومن غير المقبول أن يحدث بعد افتتاحه هذا الخلل في إمكانات الحماية المدنية، وبهذا الشكل خلال تلك المدة القصيرة، مطالبًا وزارة الثقافة بالبحث في القضية وتتبع المسئول عن هذا الخلل ومعاقبته، مؤكدًا أنها تتحمل جانبًا من هذه المسئولية على حد رأيه.

وأشار "ياقوت" لما تعانيه قصور الثقافة في مختلف المحافظات، من إهمال وفساد، مطالبًا الدولة بتوضيح نظرتها تجاه الفن والثقافة، فإذا كانت ترى فيهما عنصرا مهمًا في بنائها فعليها وضع ميزانيات كافية تنهض بالوضع الثقافي المصري.

شهيد علَى "صَنية طعام"
يقول الفنان منير الوسيمي، نقيب الموسيقيين الأسبق، ووالد "شادي"، أحد شهداء محرقة بني سويف: "تلقيت خبر ما حدث كالصاعقة، لكن الله ألهمني صبرًا لم أكن أتخيله، وأسعفني للوصول الى مكان الحادث مسرعًا، لكن ما وجدتهمن إهمال كان فظيعا، وجدت جسد ابني ملقى على شيء أشبه بـ"صينية الطعام"، وفي حالة يرثى لها.

وأكد منير الوسمي: "ابني راح ضحية الإهمال والفساد، ليس من المسئولين فقط، بل إهمال المصريين بشكل عام، وعدم وعيهم أو تحملهم المسئولية، وذلك ما جعل حارس باب المسرح يترك الباب مغلقًا ويذهب لشراء سجائر، فإن دل ذلك على شيء فيدل على مدى الاستسهال المسيطر على جموع المصريين.

واختتم "منير" أن ما حدث فى كل الأحوال هو قضاء الله، والحقيقة الوحيدة في هذه الدنيا هي الموت، فما علينا إلا أن نخلص في العمل ونتخلص من الإهمال كي لا تتكرر مثل هذه الحوادث الأليمة مرة أخرى.


الجريدة الرسمية