رئيس التحرير
عصام كامل

تفاصيل المراجعات الفكرية للدعوة السلفية.. برهامي: لا يجوز ترشح الأقباط في الانتخابات البرلمانية.. الدولة المدنية «مرفوضة».. «النور» يتراجع ويؤكد توافر حالة الضرورة.. وتفاقم الأزمة

18 حجم الخط

"لم يكن في الإمكان أفضل مما كان" شعار ترفعه الدعوة السلفية بالإسكندرية، في محاولة لحفظ ماء الوجه وسط قرنائها من أبناء التيار الإسلامي، على مدى أربعة عقود مضت تركت منابر المساجد في كل محافظات الجمهورية لعبة في يد التيار السلفي ككل والدعوة السلفية بشكل خاص.


وجرت الصفقة المبرمة مع النظام الحاكم آنذاك والدعوة السلفية على أن تترك السياسة لأهلها وأن تترك المساجد لمشايخها شريطة ألا يسعى من يرتدي القفطان والعمامة إلى الاقتراب من السياسة.

وبالرغم من أنها واحدة من الجماعات والكيانات ذات الصبغة الإسلامية التي تنامت وكبرت بعيدًا عن أروقة السياسية واختارت الظل طريقًا للانتشار والتوسع بعيدا عن تسليط الأضواء ما مكنها من بسط نفوذها في القرى والنجوع واختارت الإسكندرية معقلًا لها لما تتمتع به من أنصار يحملون مشايخهم على أعناقهم، ولم يشهد تاريخ الدعوة خوضها المعترك السياسي قبيل ثورة 25 يناير سوى من خلال اعتزالها الانتخابات البرلمانية لعام 2010، ومن ثم بدأت الدعوة في بسط نفوذها السياسي من خلال تدشين حزب النور ليكون الذراع السياسية لها.

ربما يكون المناخ العام في الوطن العربي من أقصاه لأقصاه مهيئًا أكثر مما مضى لقطع صلته وتقليم الأظافر السياسية لـ«الدعوة السلفية» إلا أن الدعوة استطاعت أن تحتفظ لنفسها بمكانة وسط الساسة وضم الناقمين من أبناء التيار الإسلامي على جماعة الإخوان الإرهابية إليها ليكون رقمًا في المعادلة السياسية.

ورغم تأكيد الدعوة السلفية في العديد من المناسبات وعبر أبواقها الإعلامية وسطيتها وبعدها عن الأفكار المتطرفة إلا أن فتاوى الدكتور ياسر برهامى، نائب رئيس الدعوة، وأحد كبار علمائها، حول المرأة والأقباط والتعايش معهم، ومدى إمكانية ولاية أحدهما في شأن المسلمين، وغيرها من التساؤلات، رفعت مستوى الشكوك حول مضمون منهاج الدعوة وحزبها بالتبعية وحول وجود مرجع وسطي حقيقي تنتمي له الدعوة خاصة أنها منذ نشأتها على أيدى كبار مشايخها في سبعينات القرن الماضي كان لها مواقفها تجاه عدد من القضايا في الشأن الديني.

ويوصف الدكتور ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، بأنه رجل الدعوة الأوحد هو يستطيع بإشارة من سبابته أن يحرك جمهورًا غفير لما له من تلاميذ ومريدين، إلا أنه نفسه يشكل خطرًا على بقاء الدعوة في المعترك السياسي والوسط الإسلامي ككل، نظرًا للفتاوى التي يطلقها بين الحين والآخر والتي تسبب جدلًا واسعا بين شرائح عدة من المجتمع المصري.

معركة المنابر
وبدت أهمية المنابر واضحة منذ أن تم استغلالها إبان حكم جماعة الإخوان الإرهابية لتمرير قرارات سياسية متشحة برداء الدين وبفتاوى مدفوعة الأجر، وهو ما لفت انتباه صناع القرار إلى أهمية المنابر وما تسببه من إزعاج في حالة عدم السيطرة عليها، وعلى إثره أصدر الدكتور مختار جمعة، وزير الأوقاف، في شهر أكتوبر من العام الماضي، قرارًا يمنع اعتلاء غير الأزهريين المنابر وتحرير المساجد من الاحتلال السلفي ومواجهة المخالفين بالقانون، وهنا بدأت الحرب تدق طبولها.

شعرت الدعوة السلفية بسحب البساط من تحت قدميها وما اعتبرته أن الدولة تقف لهم بالمرصاد وهو ما زاد من حدة المعركة على المنبر وبدت المعركة في أوجها وباتت الدعوة السلفية في موقف لا يحتمل التنازل أو التراجع خاصة بعد تلويحها بالاختصام إلى القضاء للفصل في الأمر، إلا أن الدولة أكدت صمودها في وجه الدعوة وهو ما أدى أخيرًا إلى تنازل الدعوة في مقابل الحفاظ على المنبر في مقابل الالتزام بالشروط التي وضعتها وزارة الأوقاف.

ومنذ أيام بدأت تظهر في الأفق تسريبات تفيد بعقد هدنة ما بين الدعوة والأوقاف والسماح بقيادات الدعوة بإلقاء الخطب عقب إعداد مراجعات لأفكار ونهج الدعوة بما يتماشى مع الخطاب الديني الجديد الذي حددته وزارة الأوقاف.

تراجعات برهامي ومضي الدعوة
«برهامي» بدأ سلسلة التحريم بفتوى له على موقع «أنا سلفي» عقب استفتاء مارس 2011، بخصوص ترشح الأقباط في الانتخابات البرلمانية آنذاك، بعد أن طرح أحدهم سؤالا قائلا: «هل يجوز تعيين نائبين للرئيس، أحدهما قبطى، والآخر سيدة كإحدى الخطوات الأولية الموجودة على الأجندة الرئاسية؟».

إجابة نائب رئيس الدعوة السلفية كانت صادمة بتأكيده أنه «لا يجوز»، متمسكًا بأن الولاية والتولية متلازمتان، ومنصب نائب الرئيس ولاية أكيدة خصوصًا مع وجود الصلاحيات، فلا يجوز تولية هذا المنصب (الذي يقوم صاحبه مقام رئيس الدولة عند غيابه لأى سبب)

برهامى ذهب إلى أبعد من ذلك، قائلا: «أما الكلام على الدولة المدنية في مقابلة الدولة الإسلامية فهو كلام منكر، لأن المدنية معناها عندهم العلمانية، أما الحكومة فهى التي توصف بأنها مدنية بمعنى ليست عسكرية، وليس هذا وصفًا للدولة؛ لأن دولتنا دولة لها جيش، ولا بد أن تبقى كذلك».

إطلاق مثل هذه الفتاوى في ذلك الوقت لم يكن غريبًا ولم تواجهها مؤسسات الدولة حينها لكن عندما تغيرت الأوضاع، بدأت الدعوة السلفية وعلماؤها يواكبان المرحلة الجديدة وما تتطلبه من توجهات فكرية.

قبل انطلاق الانتخابات البرلمانية المقبلة، خرج أحمد حمدى، عضو مجلس شورى الدعوة السلفية، قائلا: "إن قيادات الدعوة تميل إلى أن ترشح المرأة والأقباط ولاية، لافتًا إلى عدم جواز ولاية المرأة وغير المسلم في المجالس النيابية من حيث الحكم، إلا أنهم برروا ترشحهم بما يسمى «أكل الميتة»

حمدى أوضح أن الحكم ثابت والفتوى متغيرة؛ فحكم أكل الميتة حرام، أما بالنسبة للمضطر فهى ربما تكون واجبة لإنقاذ حياته من الهلاك، مشيرًا إلى أن هناك رأيين أحدهما يقول إن ترشحهما ضروري، والآخر يرى في ترشحهما مفسدة.

الحزب ينقلب على الدعوة
قانون الانتخابات المنصوص عليه بـ«الدستور» شدد على ضرورة وجود كوتة خاصة لفئات بعينها من شرائح الشعب المصرى وكان من ضمنها «المرأة والأقباط»، هنا وجد الحزب موقفًا جديدًا قد يؤثر بشكل سلبى على قواعده الشعبية ومريدى علمائها، وانقلاب القواعد الشعبية عليها.

بالفعل حاول قيادات الدعوة السلفية تدارك الأمر سريعًا، وتنصلوا من الفتاوى القديمة التي أطلقها برهامي، وأعلنوا التزامهم بقانون الانتخابات البرلمانية، وترشيح الأقباط والمرأة على قوائمهم، والتأكيد عبر قياداتهم أن حزب النور «مدني.»

ولم تجد الدعوة السلفية خجلًا في مجاراة الوضع الحالي، عبر نشر أحد قياداتها وهو أحمد الشحات، شقيق الشيخ عبدالمنعم الشحات، مقالا على موقع «أنا السلفي» ليبرر فيه جواز ترشح المرأة والأقباط في المجالس النيابية، قائلا: «إن هذه المسألة بها خلاف سائغ بين العلماء المعاصرين حول توصيف المجالس النيابية، فمن يرى أنها تتحقق فيها صفة الولاية فإنه يعتقد عدم جواز تمثيل المرأة والنصارى فيها، أما من يرى أن هذه المجالس لا تتحقق فيها صفة الولاية فإنه لا يجد بأسًا في دخول المرأة والنصارى فيها.»

وتابع في جواز الترشح، سردًا للآراء المختلفة ومنها أن «عموم التكليفات الشرعية لكل من الرجال والنساء، والنص على عدم جواز تولى المرأة الولايات العامة، لا ينطبقان على المجالس النيابية، فضلا عن أن قوامة الرجل على المرأة لا تتعارض مع وجود المرأة في البرلمان، ومشاركة المرأة في إبداء الرأى والمشورة في عدد من المواقف ثابتة ومشهورة.»

رغم ما تزعمه قيادات حزب النور من أن الكتلة التصويتية للحزب أكثر من الدعوة، فإن الواقع يعبر عن غير ذلك، فالحزب يواجه أزمة حقيقية لنفور القواعد الشعبية وافتقاده كتلة تصويتية في عدد من محافظات مصر، خصوصًا القاهرة الكبرى، بالإضافة إلى عدد من المحافظات التي لاقت عمليات إرهابية وإراقة الدماء على أيدى التيارات الدينية المتشددة، بجانب عدد من القواعد الشعبية بالمحافظات التي أعلنت تمردها على قياداتها لما ظهر منهم من تناقض في الفعل والقول.
الجريدة الرسمية