رئيس التحرير
عصام كامل

ارتفاع معدل الشيخوخة تحدٍ خطير أمام ميركل.. كبر سن قادة الأحزاب في ألمانيا ظاهرة تقلق المراقبين.. المستشارة الألمانية في مأزق بعد فقدان حليفها في البوندستاج.. تحالف "أسود – أحمر" يحكم برلين

المستشارة الألمانية
المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل
18 حجم الخط

يعكس الفوز التاريخي والهادئ لتحالف الاتحاد المسيحي الديمقراطي بقيادة المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل في الانتخابات الألمانية التي أجريت أول أمس الأحد حقيقة أن غالبية الناخبين الألمان وضعوا ثقتهم للمرة الثالثة في هذه السيدة القوية التي أصبحت رمزا لقوة ألمانيا وصلابتها في عصر التراجع الأوربي، وهو ما يبرز في هذا الملصق الانتخابي الضخم الذي ظهر خارج محطة القطار الرئيسية في برلين، ويصور يدي ميركل وهما ملتحمتان، في إشارة إلى أن ألمانيا في أيد أمينة مع المستشارة ميركل.

فلم تفز ميركل وتحالفها بهدوء وسلاسة ودون معاناة كبيرة في هذه الانتخابات فقط، لكنها أيضا تمكنت من الحصول على 42% من أصوات الناخبين، وهى النتيجة الأفضل للحزب منذ توحيد البلاد في عام 1990، إذ تمكن الاتحاد المسيحي من الحصول على نسبة 9% إضافية من أصوات الناخبين منذ الانتخابات السابقة في عام 2009، وهى كذلك النتيجة الأفضل منذ عام 1957 حينما حقق المستشار كونراد أديناور أغلبية مطلقة للحزب.

بيد أن هذا الفوز التاريخي والمصحوب بتلك الثقة في ميركل لا يعني أن ألمانيا ليست أمام تحديات مستقبلية كبرى لا بد من التعامل معها في أسرع وقت، منها خروج الحزب الديمقراطي الحر، حليف ميركل في الحكومة السابقة، من البرلمان الألماني "البوندستاج"، وهو ما يضطر ميركل وفق تصريحاتها إلى العمل على تشكيل حكومة موسعة وليست حكومة أقلية، ما يعني أنها سوف تتفاوض مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي لتشكيل حكومة ائتلافية جديدة.

ويتوقع المراقبون في ألمانيا أن يعاد تشكيل هذا الائتلاف مرة أخرى ما بين الاتحاد المسيحي المعروف باسم "السود" والحزب الديمقراطي الاشتراكي المعروف باسم "الحمر"، فمثل هذا التحالف "الأسود ـ الأحمر" يعتبر من الأمور الشائعة في ألمانيا، وهو الائتلاف الذي تشكلت منه الحكومة الألمانية خلال الفترة الأولى لميركل في منصب المستشارية الألمانية، والذي تحول في ولايتها الثانية إلى التحالف مع الحزب الديمقراطي الحر الذي غادر البرلمان، ليعود تحالف الفترة الأولى من جديد.

وتعد المشكلة الحقيقية التي تواجه هذا التحالف المحتمل هو أنه سيكون غير مستقر إلى حد ما بطبيعته، فخلال عامين فقط سوف تبدأ الأحزاب المكونة له وقياداتها في الاستعداد للتنافس من أجل خوض الانتخابات المقبلة في عام 2017.

وإزاء ذلك يبدو أن أول التحديات التي تواجه ألمانيا بوجه عام بعد هذا الفوز التاريخي لميركل يتمثل في ظاهرة يعتبرها بعض المراقبين تمثل خطرا مستقبليا على سياسات ألمانيا الداخلية، وهو احتمال غياب القيادات بالنسبة لمعظم الأحزاب التي بدا أغلبها ضعيفا ومهترئا وبحاجة إلى إصلاحات داخلية كبيرة. 

وفيما يخص الحزبين الكبيرين، الاتحاد المسيحي والديمقراطي الاشتراكي، فيبدو أنهما غير بعيدين عن هذه الظاهرة، فإحدى الخصائص التي ميزت سياسة ميركل، كما يقول المحلل مارتن والكر في موقع يونايتد برس إنترناشيونال، هى إعاقة أي منافس يظهر لها داخل الاتحاد المسيحي، بل إنها قالت سابقا: إنه لا يوجد لها وريث واضح في قيادة الحزب، وأكدت بالمثل أنها لن تخوض الانتخابات المقبلة وسوف تكتفي بالفترات الثلاث في منصب المستشارية، وهو ما يضع علامات استفهام حول قيادة الحزب بعد ميركل.

أما الحزب الاشتراكي، والذي حقق 26.5% من أصوات الناخبين، في نتيجة مشابهة لانتخابات عام 2009، والتي تعد الأسوأ في تاريخ الحزب، فيبدو هو الآخر على وشك حدوث تغير في الأجيال، إذ تتسم معظم قيادات الحزب بارتفاع السن وعلى رأسهم بيرشتا ينبروك رئيس الحزب ومنافس ميركل في الانتخابات. 

وانتقالا من التحديات المرتبطة بنمط الأحزاب والقيادات السياسية الألمانية إلى الجوانب الموضوعية المتعلقة بأبرز القضايا التي تواجه ألمانيا خلال الفترة المقبلة، والتي تمثل ممرات وعرة بالنظر لكونها لا تحدد مستقبل ألمانيا فقط، وإنما تؤثر كذلك على الاتحاد الأوربي، يمكن الإشارة إلى ثلاثة تحديات أساسية تواجه ألمانيا لم تكن محل نقاش خلال الحملات الانتخابية الأخيرة، هى أزمة ديون منطقة اليورو والتي توجد مؤشرات على عدم إمكانية وجود حل لها في وقت قريب، بما يلقى المزيد من الأعباء على ألمانيا التي تبرز فيها حركة قوية معارضة لمنطقة اليورو. 

ويتمثل التحدي الثاني في أزمة الطاقة، فثمة ارتفاع كبير في أسعار الكهرباء في ألمانيا بسبب تمويل برامج الإعانات الخاصة ببرامج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وكذلك بسبب إغلاق بعض المحطات النووية الألمانية منذ عامين، وبالتالي تستورد ألمانيا الكهرباء التي تنتجها محطات الطاقة النووية الفرنسية، كما تستورد الفحم الرخيص من أمريكا، والذي زاد من انبعاثات الكربون لتحقق النسبة الأعلى بألمانيا خلال العامين الأخيرين. 

ويكمن التحدي الثالث في الأزمة الديموجرافية، فألمانيا مجتمع يتميز بارتفاع معدل الشيخوخة نظرا إلى عدم إقبال الأسر الألمانية على إنجاب أكثر من طفل أو إثنين فقط، وهى ظاهرة سوف تؤثر على مستقبل الوظائف والاقتصاد الألماني، مما يعني أن ألمانيا يمكن أن تواجه مسقبلا أزمة تمس قوة اقتصادها الذي يضعف من قوة الاقتصاد الأوربي بوجه عام.

ولذا يقول مارتن والكر: من حق إنجيلا ميركل أن تتفاخر بأن الاتحاد الأوربي الذي يضم 7% فقط من سكان العالم، ينفق وحده 50% من الإنفاق الاجتماعي على مستوى العالم، ومع ذلك فإن استمرار التراجع الأوربي سوف يعني عدم التزام الدول بالإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية.

وخلص والكر إلى أن فوز ميركل بولاية ثالثة يظهر حقيقة تراجع بقية الأحزاب في ألمانيا ومشكلة تغيير أجيال القيادات لدى جميع الأحزاب، وأن هذا الفوز لا يخفي حقيقة وجود تحديات كبيرة تتعلق بإدارة الائتلاف الحاكم للبلاد، وخصوصا فيما يتعلق بمسألة ضمان معاشات التقاعد وتمويل برامج الطاقة النظيفة واستمرار دعم الدول المتعثرة بمنطقة اليورو، علاوة على التحدي المرتبط بأزمة شيخوخة يعاني منها المجتمع الألماني، وقد تنعكس بالسلب قريبا على معدلات الأداء الاقتصادي القوية التي حققتها ألمانيا خلال الأعوام الماضية.
الجريدة الرسمية