رئيس التحرير
عصام كامل

عمار على حسن بين رواية الثورة وثورة الرواية!

غلاف رواية سقوط الصمت
غلاف رواية سقوط الصمت لعمار علي حسن
18 حجم الخط

عندما يقول الثائر كلمته ويدلي بشهادته يسقط الصمت، فما بالك إذا كان هذا الثائر مبدعا يرتكز على معارف متعددة ويجمع ويزاوج ما بين حقول معرفية وإبداعية متداخلة وأحيانا تبدو متباعدة ويغزل نسيجه من خيوط مصرية أصيلة ويحمل في قلبه هموم شعبه؟!


ها هو عمار على حسن يفعلها من جديد، ويحفر علامة أصيلة في مسيرته الإبداعية وفي الحياة الثقافية المصرية والعربية بهذا السفر الروائي "سقوط الصمت"، الذي يشكل ثورة في عالم الرواية المصرية حيث جاء معادلا للسيمفونية في عالم الموسيقى كل جملة وكل كلمة وكل حركة في موضعها تماما ليتحول البناء إلى صرح خالد في الفن من "لدن مايسترو قدير".

ها هو ابن الثورة وأحد من نسجوا خيوطها يقول كلمته في لحظات تبدو فيها الثورة على المحك، فإذا به يقدم رواية الثورة بقدر ما يقوم بثورة في الرواية ويهدي بلاده عملا من تلك الروائع الخالدة التي تبقى أبدا مثلما بقت ملحمة "الحرافيش" لنجيب محفوظ و"الحرب والسلام" لليوتولستوي و"الدون الهادئ" لميخائيل شولوخوف.

هنا ميدان التحرير والثوار وشباب يناير والكعكة الحجرية ولصوص الثورة والإنترنت ونزلة السمان وموقعة الجمل والسويس ودلتا الأحزان وطريق الأربعين وأطفال الشوارع الذين تمنوا أن تكون كل الأيام ثورة.. وهنا باب الشعرية والمدينة المتوحشة والسجون والشرطة والقضاء والجيش والمقاهي والحب والشيطنة والموت والنبلاء والخونة والفلول ونيتشة والسفارات الأجنبية والفوضى الخلاقة وشارع محمد محمود والشعب الذي يريد إسقاط النظام.

كل ذلك في سيمفونية تنساب مقاطعها وتتوالى وجوهها من بشر من لحم ودم:"حسن عبد الرافع، صفاء، كريمة إسماعيل، حنان المنشاوي، خالد السبع، شعبان النمر، حارس البنهاوي، رأفت مغازي، سيف عبد الجبار، اسحق عبد الملاك، أكمل، القس جبرائيل، القس مكاريوس، جمال أبو العزم، عاطف الشطنوفي، سباعي الدغل، الزايط، هاشم الغامدي، دلال، رشدي الزفتاوي، المستشار عادل عبد الحكم، دارية وزنباع عارف الأسرار الرهيبة".

تفترق الفصول وتتداخل لخدمة فكرة مركزية واحدة تسيطر على أجواء الرواية التي تستلهم الروح المصرية الأصيلة متعددة الطبقات متراكبة الأزمان متداخلة الحضارات ويمضي المبدع عمار على حسن بحس ملحمي ليجعل من الحدث تاريخا ومن بعض الشخصيات رموزا ومن التفاصيل الصغيرة نهرا كبيرا هادرا يجرف في طريقه كل المعوقات.

الرواية التي جاءت "سيمفونية كما لا أروع"، هي ضربة في الصميم لصالح الثورة والشعب في حمأة أزمة وخضم جدل حول ثورة يناير بعضه طيب وكثير منه خبيث.. فسقوط الصمت" بصفحاتها ال 662 تأتي وسط أجواء التحولات الكبرى والمنعطفات الخطرة.

فالرواية التي تتناول هؤلاء الذين صنعوا الثورة وأولئك الذين سرقوها أطلقت هذه النبؤة شأن الأعمال الإبداعية العظيمة والمؤلف كتب ما كتبه حول سقوط حكم هذا الفصيل قبل أن تخرج الملايين يوم الثلاثين من يونيو لإسقاط هذا الحكم في مشهد من أكثر المشاهد شجاعة في تاريخ البشرية.

وعمار على حسن، الباحث الدؤوب في "روح مصر" وصاحب كتاب " بهجة الحكايا على خطى نجيب محفوظ" هو أحد الأبناء الأوفياء لفلسفة وفكر هذا الأب الثقافي النوبلي المصري الذي خلص إلى أن الأحوال لن تنصلح في البلد إلا عندما يؤمن الناس أن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة.

وبالتأكيد فمن الظلم التلخيص.. أي تلخيص لهذا السفر الروائي الذي انساب عبر 75 فصلا في حيز محدود والذي يشكل حدثا ثقافيا بقدر ما هو إنجاز إبداعي جديد يضاف لسلسلة من إبداعات عمار على حسن التي باتت علامات في الحياة الثقافية المصرية والعربية فيما يتصدى في عمله الكبير "سقوط الصمت" للإجابة على السؤال الكبير الذي يفرض بصورة لافتة على الثورات الكبرى في تاريخ البشرية: "ما العمل"؟! 

الجريدة الرسمية