الموت الملوّن.. حين يبتلع البحر أحلام الغلابة
" البحر لا يتسع لأحلامنا، ولا يضيق بجثثنا".. وكأن محمود درويش كان معهم ومعنا فمع بداية نوات الخريف الأولى واضطراب مياه المتوسط، يعود إلى ذاكرتنا وإلى ذكريات قرانا ذلك الكابوس السنوي المرعب، طوفان الهجرة غير الشرعية، لكن المأساة لم تعد مجرد هروب بائس، يائس من ضيق العيش، بل تحولت إلى قصة بصرية مدهشة ومرعبة، أسميها الموت الملوّن..
حيث تُباع الأوهام لأولادنا محاطة بوهم وبريق، ليدفع الغلابة من لحمهم وشقى عمر أسرهم ثمن أكفانهم البيضاء قبل أن يبتلعهم الموج المتربص.
تبدأ الحكاية بـ السراب الأخضر، ليس خضرة غيطان ريفنا الوادع، بل لون العملات الأجنبية، الدولار واليورو اللذان يعيشان في خيال الشاب كطوق نجاة وحيد يخرجه من قاع التهميش الذي يعيشه قسرًا، يغذي هذا الوهم ما يشاهده يوميًا في قريته والقرى المجاورة من "أحمر وردي"، لون طوب الفيلات والبيوت التي شيدها العائد الناجح من إيطاليا واليونان، على أطراف الحقول.
هنا يمارس المجتمع القروي قسوته دون رحمة، يرفع العائد المحمل باليورو بطلًا شعبيًا، بينما يُعامل من بقي وتمسك بأرضه ووطنه وعلمه وشهادته وكأنه فاشل، قليل الحيلة وعاجز عن إثبات رجولته ووجوده ونجاحه.
يرى الشاب سيارة جاره الفارهة فيتحول نجاح غيره إلى جمر يحرق كرامته، متجاهلًا الحقيقة العارية التي تدفنها القرى عمدًا، مع كل بيت خرساني ارتفع، هناك عشرات الأرواح ابتلعها البحر الغاضب، ومئات يعيشون كأشباح بلا هوية في صقيع مزارع ومخازن أوروبا.
تحت هذا الضغط النفسي المجتمعي، تقع أغرب وأقسى مفارقة اقتصادية في تاريخ الفقر والجهل معًا. تدبر الأسرة مئات الآلاف من الجنيهات، يبيع الأب قيراط الأرض الأخير، وتتنازل الأم عن مصاغها المتواضع، وتُمهر إيصالات الأمانة بدموع الذل وخراب البيوت، ليسلم الشاب وأهله ما يتراوح بين مائتى وستمائة ألف جنيه -شقاء العمر الحقيقي- إلى شبكات تهريب ومجرمين منظمين ليجنوا وحدهم ملايين الجنيهات سنويًا من دماء الواهمين، الحالمين، كل ذلك طمعًا في تذكرة موت ومقعد خشبي أو حديدي على زورق متهالك، لا يملك أدنى مقومات الأمان، وحتمًا لا يمكن أن يصمد أمام أول موجة غادرة.
وحين تذوب الألوان الزائفة فجأة في عرض البحر، لا يتبقى سوى الأزرق الغادر، لون تلك المقبرة المائية الموحشة في وسط البحر المتوسط، التي يصنفها العالم كأخطر وأكثر مسارات الأرض حصدًا للأرواح بعدما ابتلعت وحدها ما يزيد على 20 ألف إنسان خلال سنوات قليلة، في نزيف مستمر يلتهم كل عام ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف شاب يحلمون بالضفة الأخرى..
وفور أن تبتلع الأمواج الزورق المتهالك، يسود اللون الأسود كل أرجاء وأرواح القرية، سواد ملابس الأمهات اللاتي يقفن على عتبات البيوت في انتظار هواتف لن ترن أبدًا، ووجع بيوت مطفأة تبكي غائبًا بلا جثة ولا قبر، وتلاحقها سياط ديون السماسرة وإيصالات الأمانة حتى بعد أن استقر الابن في بطن البحر.
هذه المأساة لن توقفها خطب الوعظ الباردة التى توزع على أئمة المساجد يوم الجمعة، فالمقاومة الحقيقية تبدأ من كسر أسطورة العائد الناجح بشهادات حية تفضح جحيم الغربة وتعرّي سماسرة الموت الذين يتربحون من دماء جيرانهم وأبناء قراهم، ولابد من وقفة يقوم بها الإعلام الكسيح الذي يجرى وراء بؤس الترند وضرورة عودته لممارسة دوره في مواجهة الوهم وتقديم قصص حقيقية للناس.
فتحويل تلك الأموال المهدرة في قاع البحر إلى مشاريع إنتاجية حتى ولو صغيرة ولكنها حقيقية داخل القرى اليائسة، بورش إنتاج ومصانع وصوب زراعية ودعم وتسهيلات تجعل الشاب يدرك أن ما يدفعه لسمسار الموت يمكن يصنع له ولأسرته حياة كريمة، وكيانًا محفوظ الكرامة وسط أهله وناسه، ويقاوم يأس الواقع بأمل حقيقي، ولابد من فتح مسارات الهجرة الآمنة والنظامية باتفاقيات رسمية تحفظ كرامة الآدميين وأرواحهم.
إن البقاء على أرض الوطن، والاجتهاد، ليس عجزًا، وركوب بحر الموت ليس نجاحًا وبطولة.
إن من أوصلوا الشباب إلى دفع مئات الآلاف المجمّعة بالذل والهوان من أجل رحلة الأرجح أنها بلا عودة، يضعونهم أمام معادلة صفرية قاسية، إما النجاة والوصول إلى أوروبا، أو الموت لوقف نزيف اليأس.
غيروا السياسات التى أوصلت شبابنا إلى اختيار الموت حلًا أخيرًا. كفانا عمى ألوان، فأرواح أولادنا أغلى من أن يبتلعها بحر تكسوه طيور الموت بلا ذنب اقترفوه إلا الأمل في حياة أفضل..
أوقفوا الموت الملوّن.. كفى بيوتنا سوادًا ووجعًا.
