ورود وذنوب.. عن أي حب تتحدثون؟!
«إن الذين يشهدون شقاء البؤساء ولا يتحركون، إنما يشاركون في صنع هذا الشقاء بجحودهم وقلة مبالاتهم».. هذه الكلمات من رائعة الدكتور طه حسين «المعذبون في الأرض» تلخص الحكاية.
يصحو الشارع من حولنا على واجهات تتزين بالأحمر، ويتبادل العشاق الورود و"الدباديب" والقلوب الحمراء ابتهاجًا بعيد الحب المصري، غير أن مفارقة مروعة تصدم ضمائرنا ونحن نرى مشهدًا آخر يتقاسم مع هذا اليوم وكل يوم نفس اللون الأحمر يكسو الأسفلت لأطفال صغار خرجوا بحثًا عن غدهم في حافلات تفتقر للحد الأدنى من الأمان، فابتلعتهم رعونة الطريق، وغياب أي ضمير.
شتان بين أحمر يحمل نبض الحياة وأشواق العشاق، وأحمر قانٍ يسيل على الطرقات حاصدًا أعمار الزهور، مفارقة تضعنا وجهًا لوجه أمام السؤال الأكثر إلحاحًا، عن أي حب تتحدثون وبوصلة الرحمة غائبة عن أطفالنا؟
فلدينا دماء على الأسفلت كل 6 دقائق و30 ثانية لمصاب، وقتيل كل ساعة ونصف! لقد اختزلت ثقافة الاستهلاك معنى المحبة في دبدوب إسفنجي ووردة حمراء تذبل مع المساء، بينما غاب المعنى الأقدس والأشمل للحب في مجتمع إنساني ينبض بالحياة.
الحب ليس استعراضيًا في يوم الرابع من نوفمبر، الحب الحقيقي هو ألا تعود الحقائب المدرسية إلى بيوت البسطاء معفرة وملونة بفواجع الفقد، الحب هو ألا تنكسر ظهور الآباء المطحونين أمام أبواب المشارح، الحب هو ألا تبيت أم مكلومة تحتضن مريلة صغيرها الراحل لأن شاحنة طائشة أو حافلة متهالكة قررت أن تدهس قوانين المرور والآدمية في وضح النهار.
وهنا تحديدًا تتكشف الحقيقة العارية؛ فـ «ورود وذنوب» ليس مجرد عنوان لمسلسل تركي رائج يتابعه الناس على الشاشات بشغف، بل هو التوصيف الأدق لتراجيديا حية نعيش فصولها الدامية كل صباح على طرقاتنا، فبينما نسعد بتبادل الورود كطقس احتفالي عابر، تتراكم في رقابنا "ذنوب" ثقيلة ومرعبة تسيل مع كل قطرة دم لطفل تُسفك على قارعة الطريق.
إن نزيف الإسفلت ليس قدرًا غامضًا نغسل أيدينا منه، بل هو ذنب مكتمل الأركان، ذنب يرتكبه كل مسؤول أغمض عينيه عن حافلة متهالكة، وتهاون في فحص فني، أو منح رخصة قيادة لمستهتر بالأرواح، لندفع جميعًا فاتورة مجتمع يوزع الورود في الواجهات، ويدفن خطاياه وذنوبه تحت عجلات الشاحنات!
وحين تتراجع الكلمات أمام هول الفاجعة، تنطق الأرقام الرسمية الصادرة عن «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» بوجع مفزع لتكشف أن ما يجري ليس حوادث عابرة بل نزيفًا مروعًا ترتفع معدلاته سنويًا بنسبة تتجاوز 10%؛ إذ بلغ عدد متوفي حوادث الطرق 5,829 متوفى خلال عام واحد بزيادة 10.8%، ووصل عدد المصابين إلى 84,553 مصابًا.
والأقسى من ذلك أن الفئة العمرية للأطفال دون الخامسة عشرة هي التي احتلت الصدارة الدامية، كأعلى فئة سنية تدفع فاتورة هذا الجنون، فبلغ عدد المصابين من هؤلاء الصغار 29,101 مصاب، وسقط منهم 1,580 طفلًا قتلًا، يضاف إليهم 247 رضيعًا وطفلًا لم يبلغوا حتى عامهم الخامس.
أي حب تدعونه بينما المشاة والمارّة بالشارع، وأغلبهم من أولادنا وتلاميذنا، هم أول الضحايا في قائمة الوفيات بعدد 2,132 قتيل، دهستهم الفوضى وهم يعبرون الطريق إلى مدارسهم وبيوتهم، حتى بلغ عدد الضحايا في السنوات الخمس الأخيرة 311 ألف ضحية بين قتيل ومصاب، 34% منهم أطفال؟!
الخلل يبدأ حين تصبح حياة أطفالنا شيئًا ثانويًا على قارعة الطريق؛ فالإهمال الذي يغض الطرف عن مركبات متهالكة لا تصلح لنقل الجماد فضلًا عن نقل التلاميذ، والسائقون الذين يقودون وحوش الأسفلت برعونة غير مسبوقة دون فحص أو تحليل دوري رادع، كلها ثغرات تفرغ فكرة "المحبة والإنسانية" من كل مضمون.
كيف نبتسم لباقات الورد، بينما قلوب الأمهات والآباء تنفطر قهرًا على زهور تقطفها الفوضى قبل الأوان؟
وفي يوم الحب تحديدًا، يجب أن نمتلك شجاعة المصارحة: إن كثيرًا من مسؤولينا وموظفينا القائمين على ملفات حماية المواطنين، وتحديدًا حراسة أرواح أطفالنا، يحتاجون قبل أي تشريع إلى دورات مكثفة في «حب الناس»!
دورات حقيقية تعيد تذكيرهم بمعنى الخوف الحقيقي على حياة البشر، وكيف تصبح حماية أرواح البسطاء عقيدة لا تقبل التهاون في كل تفتيش مروري وإشارات طرق حقيقية.
إن مسؤولًا لا يحب الناس ولا يستشعر قيمة أمانة الأرواح، لن يرى في حافلة متهالكة إلا ورقة فحص روتينية، ولن يرى في حصاد الأسفلت إلا رقمًا يضاف إلى دفاتر الحوادث ذات اللونين الأحمر والأسود!.
إن إعادة ضبط البوصلة تفرض علينا أن نفهم أن الحب الحقيقي هو هيبة القانون، وتفتيش فني جاد لا يجيد شرب "الشاي بالياسمين"، وعقاب ناجز يكسر غرور كل من يستهتر بأرواح الضحايا.
سلامٌ على أرواح ملائكة الوطن الصغار الذين رحل عشرات منهم في الأيام الأخيرة قبل أن يعرفوا من الدنيا إلا شقاءها، وخالص العزاء لكل بيت انطفأ نوره بفاجعة الإهمال. لن يكون في بلادنا احتفالٌ حقيقي بالحب حتى نغسل هذا الأسفلت من فواجع البراءة، وتصبح طرقاتنا مساراتٍ للحياة، لا مقاصل تقطف الأعمار في غفلة من الضمير..
في يوم الحب، وردة بيضاء على أرواح ضحايانا على الأسفلت.
