رئيس التحرير
عصام كامل

حمدي قنديل.. غاب قلم الرصاص وطغى إعلام التريند

18 حجم الخط

"إن وسيلة الإعلام التي تختار التملق بدلًا من الحقيقة تصبح أداة لهدم العقول، فالكلمة الشريفة لم تُخلق لتضع المساحيق على وجه القبح، بل وُجدت لتوقظ الضمائر وتعرّي الزيف" ألبير كامو.

  

لم يكن يحتاج إلى استوديو أسطوري تتلألأ فيه الشاشات المبهرة، ولا إلى مؤثرات صوتية تصنع إثارة وهمية، ولا إلى جيش من المساعدين يلقنونه الكلمات وحتى النبرات في سماعة الأذن، كان يجلس بهيبة رجل يرتدي وقاره وتأثيره قبل سترته، يضع نظارته الطبية على عينين حاضرتين، مستيقظتين، لا تخطئان موضع الخلل، وبيده أداة واحدة ربما تبدو متواضعة: "قلم رصاص".

 

بهذا القلم الخشبي البسيط الذي يمحو الزيف، ويقتحم الوجع، ويشير إلى ما وراء السطور في بطون الصحف، كان حمدي قنديل يهز أركان الرأي العام العربي من المحيط إلى الخليج في "مع حمدي قنديل" ثم "رئيس التحرير" و"قلم رصاص".


لم يتراجع بحروفه يومًا، ولم يبتذل لغته، ولم يتاجر بآلام الناس وأحلامهم، بل كان يهمس بالحقيقة فترتعد لها حصون الوهم، مقدمًا إعلامًا يحمل عرق ولحم ودم الشارع، ويشتبك مع هموم المواطن المطحون بلغة عربية ناصعة ورصينة، بلا بهرجة ولا تزييف.

 

واليوم، ونحن نقف أمام ذكرى رحيل هذا الفارس النبيل ونتذكر كلماته التي بلغت ذروتها بصرخته الأشهر التي هزت الملايين يومًا منتقدًا أوضاعًا تخرج لسانها للجماهير: "يا أمة جاحدة.. يا أمة ذليلة.. يا أمة تلفانة.. يا أمة عدمانة.. يا أمة أونطة"، نصطدم بكوارث كبرى في مشهدنا الإعلامي؛ لقد توارى "قلم الرصاص" تمامًا، وطغت في مكانه شاشات استعراضية وبهرجة جوفاء لا تكتب شقاء الناس وأحلامهم إلا من رحم ربي.

 

تحول المشهد الإعلامي من ساحة لمساءلة الواقع والمساهمة في فرز الحقائق وإضاءة مكامن الخلل، إلى منصة لعرض الأزياء وتصدير التفاهة، وزاد الطين بلّة بقنوات تحت السلم وظهور خيالات مآتة على الشاشات.

لم يعد المذيع معنيًا بالخبر المدقق ولا المذيعة معنية بالكلمة المسؤولة ولا مشغولًا بالناس، بل بات كل همه كيف تبدو الإطلالة البهية، وأي زاوية تصنع له تريند أجوف من لقطات مفتعلة، حتى لو كان الثمن دهس الذوق العام وتسطيح الوعي الجمعي على حساب أوجاع البسطاء.

 

استبدلوا رقي الفكر بالاستعراض السطحي؛ تُهدر الملايين على ديكورات براقة ومقدمي برامج يتقنون الثرثرة ولا يتقنون مخاطبة الجمهور بوعي، شاشات تحاول تفريغ العقول من محتواها، بينما تتوارى قضايا الناس والمهمومين  خلف بريق لا يسمن ولا يغني من جوع.

 


إن خطورة هذا الإعلام البديل لا تكمن فقط في كونه إعلامًا بلا ذاكرة وبلا رؤى، بل في أنه صار يروج للخواء، ويمنح الميكروفون لصناع التفاهة،  لقد غاب عنهم أن البهرجة تتبدد مع أول هبة ريح في اختبار حقيقي، بينما يبقى أثر "قلم الرصاص" محفورًا في ضمير الناس رغم غياب صاحبه، لأن قلم الرصاص كان يكتب الحقيقة المجردة من القلب،لجمهور يحترم الكلمة التى تخاطب عقله ووجدانه وتلمس أحزانه وأفراحه، والحقيقة لا تحتاج أبدًا إلى زيف.
 

في ذكرى رحيله، رحم الله حمدي قنديل؛ لقد ترك لنا درسًا لن يمحوه الزمان، أن هيبة الإعلامي تصنعها شجاعة موقفه، ونضج رسالته، ووعيه الوطني، لا الصخب الأجوف وابتسامات النفاق. 

فالشارع لم يعد ينتظر إعلامًا معطرًا محاطًا بالألوان التى تخطف العين، يبتسم له برياء، بل يبحث عن قلم حر وصوت صادق يقتسم معه لقمة الخبز وحرقة الألم، محاطًا بقيم الحق والخير والجمال ويبعث نور الأمل في نهاية النفق، نم يا قنديل فخورًا بما قدمت فأنت لم تكن موفقًا فقط في عنوان قصة حياتك "عشت مرتين"، فأنت عشت في قلوب ووجدان الناس ألف مرة ومرة.

الجريدة الرسمية