رئيس التحرير
عصام كامل

عبد الغني داود.. ثراء يتجاوز حدود النقد

18 حجم الخط

لم يكن الناقد والكاتب عبد الغني داود مجرد كاتب مسرحي أو ناقد يجلس في مقعد المتفرج ليقرأ ما يدور فوق الخشبة، بل تجاوزت علاقته بالفن حدود الكتابة عنه، إلى محاولة فهم جذوره، والبحث في ذاكرته، واستحضار أصوات ربما لم تجد طريقها إلى الضوء.

لم تتوقف رحلته عند المسرح، وإن كان أحد أبرز ملامحها، بل امتدت إلى النقد السينمائي والترجمة والتوثيق، والكتابة عن المبدعين الذين لم ينالوا ما يستحقونه من اهتمام.. وكأنه كان يدرك أن الثقافة لا تُصنع بالأعمال وحدها، وإنما أيضا بما نحتفظ به منها، وبما نمنحه فرصة البقاء في الذاكرة.

في مشروعه المسرحي، لم يتعامل مع التراث الشعبي باعتباره حكايات قديمة قابلة للاستعادة فحسب، بل بحث في السيرة الهلالية والروايات الشفاهية عن مادة يمكن أن تمنح المسرح حياة جديدة.. فالتراث في جوهره ليس مجرد ماضٍ نعود إليه لنستريح في ظلاله، وإنما ذاكرة قابلة لإعادة القراءة، تتغير دلالاتها كلما تغير الإنسان وواقعه.

ومن هنا تكتسب أعمال مثل "الجازية الهلالية" و"تنويعات هلالية" أهميتها باعتبارها جزءا من انشغاله بالربط بين الموروث الشعبي والكتابة المسرحية.. فلم يكن سؤاله كيف ننقل الحكاية إلى الخشبة فحسب، بل كيف نعيد تشكيلها لتصبح قادرة على التعبير عن أسئلتنا المعاصرة.

أما في النقد، فقد اتجه داود إلى منطقة أكثر اشتباكا مع الواقع، هي العلاقة بين المسرح والسياسة.. ففي كتابه: الأداء السياسي في مسرح الستينيات، لم يتعامل مع النصوص باعتبارها أبنية جمالية معزولة عن زمنها، بل قرأها في اطار العلاقة بين الكاتب والسلطة، وما تكشفه هذه العلاقة من مواقف وتناقضات، ومن إمكانات للتعبير أو حدود تفرضها الظروف السياسية.

وهنا تظهر إحدى ملامح تجربته النقدية، فالنقد لم يكن مجرد حكم على جودة النص أو ضعف بنائه، وإنما محاولة لفهم الظروف التي تشكل فيها، وما يعلنه وما يخفيه، وما يستطيع قوله مباشرة، وما يلجأ فيه إلى الرمز.. وتبرز قيمة هذه المقاربة في الجمع بين قراءة الموقف السياسي وتحليل الأدوات الفنية، حتى لا تطغى الفكرة على العمل نفسه.

ولم يكن المسرح وحده ساحة اهتمامه، فقد امتدت قراءاته إلى السينما المصرية، وتاريخ المخرجين، ومدارس الأداء التمثيلي، وتجارب فنية تستحق أن تُقرأ بعيدا عن أحكام الشهرة والنجومية.. كما أتاح له عمله مديرا للأرشيف القومي للسينما أن يقترب من جانب آخر من الذاكرة الفنية، ذلك الجانب الذي لا يتعلق بما نشاهده فقط، بل بما نحفظه من الضياع، وما نتركه للأجيال التالية كي تعيد اكتشافه.

وربما هذا الاتساع هو ما يجعل وصفه بالمثقف الشامل أكثر من مجرد عبارة تكريمية.. فقد جمع بين الإبداع والنقد والتوثيق والترجمة، وبين الانشغال بالتجربة الفنية في ذاتها والانتباه إلى الحركة الثقافية باعتبارها منظومة إبداعية شاملة.

لكن ما يستوقفني في رحلته ليس تعدد المجالات وحده، وإنما انحيازه إلى ثقافة لا ينبغي أن تظل حبيسة المركز فقط.. فاهتمامه بمسرح الأقاليم، وبالفرق التي تعمل بعيدا عن الأضواء، وبالمبدعين الذين لا يجدون دائما من يكتب عنهم، يكشف عن وعي بمشكلة تتجاوز حدود النقد إلى طبيعة الحياة الثقافية نفسها.. من يملك فرصة الظهور؟ ومن يظل إبداعه بعيدا عن دوائر الضوء؟

وتتضح هذه المسألة في كتابه: مبدعون بلا نقاد، الذي نلاحظ في عنوانه مفارقة تستحق التأمل.. فغياب النقد لا يعني بالضرورة غياب القيمة، مثلما أن الحضور المستمر في الصحافة والاحتفاءات لا يمثل وحده دليلا على القيمة الفنية.. وبين الأمرين تتشكل مسؤولية الناقد، ليس باعتباره حارسا يمنح شهادات الجودة، بل قارئا يحاول اكتشاف ما قد يغيب عن عين الجماعة الثقافية.

وربما هنا تحديدا تبدأ مسؤوليتنا تجاه عبد الغني داود نفسه.. فلا نكتفي بأن نستعيد اسمه في ذكراه، أو أن نضيفه إلى قائمة طويلة من المبدعين الذين نرثيهم ثم نترك كتبهم في عزلتها.. الأجدى أن نعيد قراءة مسرحياته، ونعيد تقديمها على الخشبة، ونفحص مشروعه النقدي، ونجمع مقالاته ودراساته، ونبحث عن أعماله التي لم تأخذ فرصتها في العرض والانتشار.

إن استحضار هؤلاء المبدعين لا ينبغي أن يتحول إلى احتفاء عاطفي بالماضي فحسب، بل إلى فعل ثقافي يعيد اختبار ما تركوه من إرث، وما يمكن أن يفتحه هذا الإرث أمامنا من أسئلة جديدة قابلة للمناقشة. فالقيمة الحقيقية لأي تجربة فنية لا تتوقف عند لحظة إنتاجها، وإنما تمتد إلى قدرتها على البقاء في الوعي، ومنح قرائها أسبابا جديدة لاكتشافها.

وربما يكون الإنصاف الحقيقي للكاتب والناقد عبد الغني داود أن نمنح كتاباته فرصة أخرى للحياة، فما تركه من أسئلة حول التراث والمسرح والسياسة والذاكرة الثقافية يستحق أن يُقرأ ويُناقش ويُختبر.. فالمبدع لا يغيب تماما حين يرحل، لكنه قد يغيب حين نتوقف عن قراءة ما تركه.. وحين يصبح النسيان عادة ثقافية، فإن استعادة الذاكرة ليست مجرد وفاء للماضي، بل أيضا ضرورة لفهم الحاضر.

الجريدة الرسمية