لعبة جهنم.. لعبة تحرق القلوب!
يبدو أن المنتج مجدي الهواري، بالاشتراك مع صانع المحتوى سامح سند، قررا نقل فكرة كانت في بدايتها مرتبطة بالمسرح الجنائي، وكان يجري الإعداد لها منذ فترة، إلى الدراما التلفزيونية من خلال مسلسل القصة الكاملة، الذي تدور أحداثه في عدة قصص منفصلة مستمدة من وقائع وأحداث حقيقية، وكانت لعبة جهنم إحدى هذه القصص التي قُدمت ضمن العمل..
إلا أن انتقال الفكرة من وسيط إلى آخر يفتح سؤالا أكثر أهمية من مجرد نجاح المعالجة التلفزيونية.. هل تمتلك الفكرة المجردة ما يكفي لتصبح عملا دراميا يستحق أن يعاد إنتاجه وتقديمه للجمهور؟
تضعنا لعبة جهنم أمام واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في الدراما المعاصرة.. وهي الدراما التي تستمد مادتها من قضايا وجرائم حدثت بالفعل، ثم تعيد صياغتها دراميا.. والمشكلة هنا ليست في الاقتراب من الواقع أو استلهام أحداث حقيقية، وإنما في كيفية توظيف هذا الواقع والهدف من إعادة تجسيده..
فعندما تتحول الجريمة الواقعية إلى مجرد مادة صادمة ومثيرة للرأي العام.. يصبح استهداف الألم الإنساني نوعا من الاستسهال الدرامي، خصوصا عندما يكون الهدف الأول هو صناعة رد فعل جماهيري يرفع المشاهدات، بغض النظر عن القيمة الفنية أو الأثر الذي يمكن أن يتركه العمل بعد انتهاء عرضه.
فالدراما ليست مجرد استنساخ للواقع، وإنما إعادة خلق له.. وقيمة العمل لا تقاس فقط بقدرته على إثارة فضول المشاهد تجاه جريمة يعرفها أو شخصية حقيقية أثارت الرأي العام، بل بما يضيفه إلى هذه المادة من رؤية وأسئلة تجعلها تتجاوز الواقعة المجردة إلى معنى إنساني أو فلسفي أبقى أثرا.
ومن هنا تأتي المفارقة الأساسية في لعبة جهنم.. جماليات فنية واضحة تُسخر لخدمة فكرة لا أراها إبداعية بما يكفي.. فالتصوير متميز، والإخراج يمتلك حسا بصريا واضحا، والديكور موظف بعناية، والأداء التمثيلي قوي، إلى جانب موسيقى تصويرية نجحت في دعم حالات التوتر والمكاشفات النفسية.. لكن كل هذه العناصر الفنية، على أهميتها.. تظل في النهاية أدوات، ولكن يبقى السؤال ماذا تخدم؟
لا تكمن المشكلة في أن العمل مصنوع بحرفية عالية، وإنما في أن كل هذا الجمال التقني والفني يُسخر لخدمة فكرة كان من الممكن أن تُستبدل بفكرة أكثر إبداعا، خصوصا في ظل وجود عدد كبير من كتاب الدراما أصحاب الأفكار الجديدة والقادرين على ابتكار عوالم وشخصيات لا تعتمد على إعادة تدوير وقائع مؤلمة يعرفها الجمهور من قبل!
فإعادة تقديم القضايا الإجرامية الواقعية دراميا تظل، بالنسبة لي، فعلا مؤلما ونازفا للقلوب، لأنها تدفع الدراما بعيدا عن جوهرها الأصلي كونها فنا للمتعة والتأمل والتأثير.. فما المتعة التي تكمن في مشاهدة ألم حقيقي، ثم إعادة إحياء تفاصيله وترك أثر مخيف في وجدان المشاهد؟! وما جدوى إعادة فتح ذاكرة مؤلمة لمجرد تحويلها إلى مادة للمشاهدة؟!
أما عن اختيار محمد فراج لهذا النوع من الأدوار.. فلا يمكن إنكار براعته وقدرته الكبيرة على تجسيد الشخصيات المعقدة والمضطربة، لكن تكرار الإعتماد على الشخصيات المستمدة من أنماط إجرامية واقعية يترك سؤالا مشروعا.. لماذا الإصرار على هذا؟ هل يراهن فراج على قدرته في تقليد الشخصيات الحقيقية وتجسيدها بدقة، لينتقل من كونه فنانا قادرا على أداء أدوار مبتكرة وشخصيات تنتمي إلى عوالم إبداعية، إلى مجرد مشخصاتي ينقل أنماط الواقع كما هي؟!
فهو فنان يمتلك الموهبة، ولذلك ربما يكون الأجدر به أن يستثمر تلك الموهبة بذكاء أكبر، وأن يبحث عن شخصيات تصنع له أثرا باقيا، لا أدوارا لشخصيات قد تلفظها ذاكرة المشاهد سريعا رغبة في التخلص من الألم النفسي المرتبط بها!
أما الإسقاط الديني داخل الحكاية، فأراه إضافة درامية لا ترتبط بجوهر القضية الحقيقية، وإنما جاءت لتمنح العمل بهارات إضافية تثير الرأي العام، وتقدم تيمة التناقض بين الأخلاق الدينية من جهة، والأهواء والمطامع الدنيوية والضعف البشري من جهة أخرى..
صحيح أن تغيير الواقع وإعادة تأويله حق مشروع للكاتب.. لكن الإضافة هنا لم تفد العمل بقدر ما أساءت إليه، خصوصا أن القصة ظلت، في تفاصيلها، قريبة من الواقعة الأصلية، بما في ذلك تفاصيل ماضي منفذي الجريمة.
وهنا يبرز سؤال عن دور الكتابة تحديدا.. إذا كانت الإضافة الأبرز التي غيرت الواقع هي هذا الإسقاط الديني، فما حجم الإضافة الإبداعية التي قدمتها الكاتبة في بناء السيناريو؟ في المقابل، يحسب للعمل اهتمامه بالبعد النفسي للشخصيات، خصوصا في رسم السيكوباتية المظلمة واضطرابات الطفولة وما يمكن أن تتركه من آثار في السلوك..
وقد أعطى هذا الجانب الحكاية فرصة لتطوير الأحداث وكشف دوافع الشخصيات تدريجيا.. كما أن تسلسل الأحداث، رغم محدودية الحبكات الفرعية، جعل العمل أقرب في بنيته إلى السرد السينمائي الطويل منه إلى البناء التلفزيوني التقليدي.
وتبقى الصورة واحدة من أبرز نقاط قوة العمل.. فالكادرات القريبة تلتقط انفعالات الشخصيات وسماتها النفسية، بينما جاءت الموسيقى التصويرية داعمة للحظات التوتر والمكاشفات الداخلية، لتؤكد أن الصنعة الفنية في لعبة جهنم ليست موضع شك..
ولكن في النهاية، أرى أن لعبة جهنم عمل جيد من حيث التكنيك والصنعة، ومتميز في عناصره الفنية، لكنه يترك لدي سؤالا أكبر من سؤال الجودة.. ما الغاية الحقيقية منه؟!
