الدبلة.. تتسع أم تضيق؟!
الدبلة.. اسم يبدو للوهلة الأولى وكأنه يرمز إلى علاقة زوجية، أو إلى رابطة تجمع رجلا وامرأة، لكنها عند خالد الصاوي لا تقف عند حدود الزواج.. فالدائرة التي ترسمها الدبلة ربما كانت أوسع من إصبع يحملها، لتصبح دائرة للحياة والزمن والذاكرة، ودائرة أخرى أكثر قسوة.. دائرة يدور فيها الفنان بين الحلم والواقع، وبين الفن والسوق.
منذ اللحظات الأولى، يضعنا عرض الدبلة للمخرج كارلوس ناجي، أمام زوج وزوجة يستعيدان سنوات مضت، يتحدثان عن الحب، والفن، والمال، والسفر، والشهرة، وما كان وما أصبح.. وقد اختار العرض أن يقترب من الدبلة من أكثر مناطقها إنسانية، من العلاقة بين الاثنين، ومن الذاكرة والفقد وهروب الأحلام، وهي قراءة منحت الممثلين مساحة واسعة للتعبير، وكان الأداء أحد أبرز عناصر العرض.
لكن نصا كُتب في الثمانينيات، لا يبدو بهذه البساطة.. فالزوج ليس مجرد رجل متمسك بمبادئه، والزوجة ليست فقط امرأة عملية تبحث عن المال فحسب.. إنهما صوتان لصراع أكبر.. الفن كونه رسالة، والفن كونه تجارة. هي ترى أن السوق فرصة،عرض وطلب، ومال وشهرة، وسفر.. بينما يحاول هو أن يحتفظ للفن بمعناه، وألا يتحول من فنان إلى مجرد منتج لما يطلبه السوق.. ومن هنا تبدأ المواجهة لتمتد خارج حدود البيت لتصبح سؤالا عن الإنسان نفسه.. ماذا يحدث حين تصطدم القيم بما تفرضه الضرورة؟!
ولهذا لا تبدو إشارات النص إلى الرأسمالية والاشتراكية عابرة، بل جزءا من بنيته الفكرية، فالمسرحية تضع الفرد في مواجهة منظومة أكبر منه، منظومة تستطيع أن تجعل قيمة الشيء مرهونة بسعره، وأن تدفع حتى الفن إلى اختبار السوق!
وتأتي النقود التي تظهر وتختفي كواحدة من أكثر علامات النص عبثية ودلالة.. فالمال لا يبدو مجرد احتياج، وإنما قوة غامضة تتدخل في حياة الشخصيات، تظهر حين تحتاج إليه وتختفي حين تبحث عنه، حتى يصبح السوق نفسه أشبه بقوة غير مرئية تحرك مصائر البشر.
ثم تأتي الدبلة.. رمزا للزواج، نعم.. لكنها أيضا دائرة.. دائرة تعيد الشخصيات إلى الماضي والذكريات، إلى النقطة نفسها.. والأكثر قسوة أن هذه العلامة التي تحمل قيمة عاطفية أنها يمكن أن تدخل هي الأخرى إلى منطق البيع والشراء.. حين تُباع الدبلة، لا تُباع قطعة من الذهب فقط.. بل تتعرض قيمة رمزية إنسانية لاختبار السوق. وهنا تلتقي الدبلة بالفن فما لا يُفترض أن يكون سلعة، يمكن أن يجد نفسه مضطرا لأن يصبح كذلك!
حتى المكان الذي يبدو امتدادا لهذا العالم المغلق.. بيت بلا نوافذ، وأحلام بالسفر والنجاح والشهرة تحاول أن تجد لها منفذا إلى الخارج.. أما الزمن، فلا يسير في خط مستقيم.. الحاضر يستدعي الماضي، والذاكرة تتداخل مع الحلم، والشخصيات تعود إلى مراحل عمرية مختلفة، فيصبح الزمن نفسه دائرة أخرى. ومن هنا يمكن الاقتراب من عبثية النص لا باعتباره مسرحا عبثيا خالصا، وإنما باعتباره نصا يستخدم أدوات العبث كي يكشف عبث الواقع.
وفي قلب هذا الزمن الدائري يقف الطفل كأكثر العلامات إثارة للانتباه.. فهو لا يظل طفلا صغيرا، وإنما يقفز فجأة إلى مرحلة عمرية أخرى، وكأن المستقبل نفسه اقتحم الحاضر دون استئذان.. وهذه القفزة لا تبدو مجرد حيلة زمنية، وإنما يمكن قراءتها باعتبارها انتقالا من جيل إلى جيل.. فبينما يظل الأب والأم أسرى ما عاشاه، وما تمنياه، وما أخفقا فيه، يأتي الطفل كاحتمال جديد للحياة.
وربما يترك النص واحدا من أكثر أسئلته إنسانية: هل نعطي أبناءنا حق أن يكونوا أنفسهم، أم نحمّلهم أحلامنا المؤجلة وصراعاتنا القديمة؟ فالطفل الذي يكبر فجأة لا يحتاج بالضرورة إلى أن يرث دائرة والديه، وربما يصبح خروجه منها دعوة إلى ترك المستقبل حرا، لا أن نعيد إنتاج الماضي داخله.. وبهذا المعنى، يصبح الطفل نقيض الدبلة نفسها، فالدبلة دائرة مغلقة تعيدنا إلى النقطة ذاتها، بينما الطفل خط مفتوح يمكن أن يذهب إلى حيث لم يذهب الأبوان.
وإذا كان الزوج والزوجة قد ظلا يطاردان أحلامهما داخل دائرة الزمن والواقع، فإن الجيل القادم يملك للمرة الأولى فرصة أن يختار طريقا آخر.
وتأتي الموسيقى في العرض كطبقة موازية لهذا كله، أغنيات أم كلثوم، ومنها "هو صحيح الهوى غلاب"، و"عايزنا نرجع زي زمان"، و"كل ده كان ليه" للموسيقار محمد عبد الوهاب، إلى جانب الموسيقى الحرة و"Je t’aime" للارا فابيان.. اختيارات تستدعي الحب والحنين والماضي، وتضيف إلى العرض بعدا زمنيا آخر.. زمنا تتجاور فيه الرغبة في استعادة ما كان مع استحالة العودة إليه.
وربما كان الإيقاع أحد العناصر التي احتاجت إلى قدر أكبر من التنويع، فمع نص يقوم على التكرار والاسترجاع وتداخل الأزمنة، بدا الإيقاع في بعض المناطق أطول من طاقة المشهد، بما جعل بعض لحظات الاستعادة أكثر امتدادا مما تحتمل.
ومع ذلك، يظل العرض قادرا على الإمساك بالوجه الإنساني لـ"الدبلة"، وعلى إبراز ممثليه ومنحهما المساحة التي تسمح للعلاقة نفسها بأن تصبح مركزا للفرجة والانفعال.. وربما هنا تحديدا تكمن المسافة بين النص والعرض.
فالنص يفتح أبوابا كثيرة، كان من الممكن تناولها إخراجيا بشكل يكشفها تجريديا..بينما اختار العرض أن يدخل من أحدها.. باب الإنسان.. تجربة جيدة لمخرج واعد وممثلين تحملوا مسؤولية نجاحها.
قدم عرض الدبلة فرقة مودلياني على مسرح نهاد صليحة ومن إخراج ناجي كارلوس وتمثيل ميشيل صابر ويوستينا عزت، عن نص الفنان خالد الصاوي، والجدير بالذكر أن النص ترجع كتابته لبداية الثمانينات وعرض لأول مرة بقاعة جغرافيا التابعة لكلية الآداب جامعة القاهرة لفرقة الحركة المسرحية الحرة.
