رئيس التحرير
عصام كامل

فرصة أخرى.. خارج الزمن

18 حجم الخط

"أعيش فيك قليلا قبل أن أموت فيك تماما".. ربما تختصر هذه الجملة وحدها المسافة التي تقطعها مسرحية فرصة أخرى بين الرغبة والقهر، وبين الوهم والحقيقة.. امرأة تحاول لنصف ساعة فقط، أن تمسك بمصيرها، بينما يقف الزمن على الجانب الآخر منتظرا انتهاء اللعبة.


على خشبة الهناجر، وفي مساحة أقرب إلى مسرح الغرفة، يبدأ العرض برجل واهن، وامرأة تمارس عليه قسوة تبدو في بدايتها بلا حدود.. تطلب الطعام، فيعده، تأمره بغسل قدميها، وتدفعه إلى أقصى درجات الإذلال، حتى تجعله يشرب الماء من الأرض.. وحين يطلب منها أن تقتله، تأتي الإجابة الأكثر قسوة.. أنها لا تريد قتله، بل تريد أن تستمتع بمعاناته.


لكن السؤال الذي يتكرر طوال العرض يبدو أهم من كل ما يحدث.. كم الساعة الآن؟.. الرجل لا ينظر إلى الساعة المعلقة بأعلى الغرفة وكأنها شاهد عليم وفوق الجميع! بل يتحول جسده إلى ساعة، يؤدي بحركاته ورقصه إيقاعا جسديا يجيب به عن الوقت..

وهنا يفتح العرض بابا لتأويل يتجاوز وجوده كشخصية واقعية.. ربما يكون الرجل تجسيدا للزمن، أو صورة متخيلة لزوجها، أو إسقاطا لجسد تستدعي من خلاله المرأة تجربة العنف التي عاشتها.


نحن أمام نصف ساعة معلقة بين واقعين، نصف ساعة تحاول فيها المرأة أن تعكس الأدوار، قبل أن يعود الواقع ليفرض نفسه. حتى الحميمية لا تبدو حقيقية..

 

في مشهد الرقص، يتحول الـ"فالس" إلى حركة ميكانيكية أقرب إلى أداء واجب، تتداخل معها إضاءة حمراء وزرقاء يمكن قراءتها كانعكاس لتناقض المشاعر بين حرارة وبرودة، أو بين طرف يريد الاقتراب وآخر فقد قدرته على الإحساس.. الرقص هنا ليس تعبيرا عن انسجام، بل عن علاقة تحولت إلى أداء، حتى يأتي اللوم: ألم أقل لك أن تتدرب جيدا؟.


ويواصل العرض بناء علاماته البصرية.. الطاولة والكراسي لا تبدو مجرد مفردات ديكور، بل جزءا من لعبة السيطرة.. والألوان الترابية في ملابس الشخصيتين تذيب شيئا من الفارق بينهما.. أما اللوحات الثلاث المعلقة على الحائط، والتي تبدو لأشخاص غير محددي الملامح، فتفتح هي الأخرى احتمالا لافتا.. 

ربما تحيل إلى ثلاثية العلاقة، لزوج، والزوجة، والزوج المتخيل، أو إلى صورة ثالثة أكثر ذاتية، هي النسخة الأخرى التي تتمنى الزوجة أن تكونها نسخة تمتلك القوة بدلا من أن تتلقى العنف!


والأكثر دلالة أن المرأة في النهاية.. تمزق قميصها الأبيض لتظهر تحته طبقة باللون البيج، فتقترب بصريا من الزوج الضعيف الذي كان أمامها.. وكأن الحدود بين الشخصيتين تتراجع، تماما كما تتراجع الحدود بين الحقيقي والمتخيل.
ثم يخرج الرجل.. وتنهار المرأة.. هنا يطرق الواقع الباب، ليدخل الزوج الحقيقي مرتديا معطفا أسود، ويعيد المشهد الأول تقريبا، لكن بعد أن تنقلب موازين القوة، يصبح هو القادر على الإيذاء، وهي الواقفة في موقع الضعف.


عند هذه اللحظة يعيد العرض تشكيل ما شاهدناه من البداية.. فإذا كان الرجل الأول صورة متخيلة أو إسقاطا لرغبتها في استعادة القوة، فإن خروجه يعني انتهاء فرصتها الأخرى، وعودة الحقيقة من الباب. وهنا يبدو عنوان فرصة أخرى نفسه سؤالا.. فرصة أخرى لأي شيء؟ للانتقام؟ لتبديل الأدوار؟ لإعادة تمثيل الألم؟ أم للهروب منه؟


ربما تمنحها المسرحية فرصة لتعيش الدور الآخر، لكنها لا تمنحها القدرة على كسر الدائرة.. فالضحية حين تمتلك القوة، قد تعيد إنتاج العنف باللغة نفسها التي عانت منها، لا بالضرورة لأنها أصبحت جلادا، وإنما لأنها لم تجد لغة أخرى لمواجهة ما حدث لها.


ويبقى الزمن هنا ليس مجرد خلفية للأحداث، بل شريكا فاعلا.. كل إجابة عن: كم الساعة الآن؟ تقرب المرأة من اللحظة التي سينتهي فيها الوهم، ويعود الزوج الحقيقي.


فرصة أخرى، عرض يضعنا في نصف ساعة تبدو كأنها خارج الواقع، ويمنح المرأة فرصة لإعادة تمثيل حياتها من موقع آخر، قبل أن يغلق الزمن اللعبة ويفتح الباب فجأة على الحقيقة.

العرض من تأليف: صادق مكي، إخراج: محمد عيسى الشخاترة، بطولة: محمد الغزاوي ونرفانا الخطيب، ومن إنتاج: المعهد العالي للفنون المسرحية بأكاديمية الفنون.
وعُرضت المسرحية على مسرح الهناجر ضمن فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة.
ويمنح المرأة فرصة لإعادة تمثيل حياتها من موقع آخر، قبل أن يغلق الزمن اللعبة ويفتح الباب فجأة على الحقيقة.

الجريدة الرسمية