رئيس التحرير
عصام كامل

التتر.. أول الحكاية

18 حجم الخط

“يا روايح الزمن الجميل هفهفي وخدينا للماضي بسحره الخفي”.. هناك أغانٍ لا تنتهي بانتهاء المسلسل، وموسيقى لا تحتاج إلى شاشة كي نتذكرها وتبقى خالدة.. تكفينا نغمات بسيطة من رأفت الهجان، أو كلمات من ليالي الحلمية، أو المال والبنون أو هوانم جاردن سيتي، حتى تنفتح في الذاكرة أبواب زمن كامل عشناه.. وقتها لم يكن التتر مجرد مقدمة لأسماء صناع العمل، وإنما كان جزءا من روحه، وعتبته الأولى إلى وجدان المشاهد.


بدأ التتر التلفزيوني المصري بإمكانات بصرية محدودة، فكان الاعتماد على عرض الأسماء والموسيقى، ثم ظهرت مرحلة توظيف بعض المشاهد الداخلية للمسلسل في المقدمة والنهاية.. ومع تطور تقنيات المونتاج والجرافيك، لم تعد الصورة مجرد مادة مأخوذة من العمل، وإنما أصبحت تُصنع خصيصا لتقديم عالمه وطبيعته الخاصة.. ثم استُخدمت الرسوم المتحركة والتقنيات الرقمية لتمنح صانع التتر مساحة أوسع للخيال، وصولا إلى الذكاء الاصطناعي الذي فتح الباب أمام صور وعوالم لم تُصور أصلا داخل المسلسل.


ربما التطور التقني لا يعني بالضرورة تطورا فنيا.. فالتتر القديم، رغم محدودية أدواته، إلا إنه استطاع أن يترك بصماته من خلال بساطة الفكرة وعدم التكلف في إضافة رمزيات أو دلالات مبهمة.. على الجانب الآخر، أصبح الشائع في صناعة تترات الدراما التلفزيونية الآن أن الصور المولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي تعتمد بشكل كبير على الرمزية، فتترك المشاهد لخياله محاولا فك شفرات المعنى كجزء من جماليات العمل البصرية.. لا أرى تفاضلا بين الأسلوبين فكل زمن وله تصوراته وتطوراته..


الأمر نفسه ينطبق على الموسيقى.. فقد كان مؤلف الموسيقى التصويرية قديما جزء من البناء الدرامي، وليس مجرد صانع خلفية صوتية.. عمار الشريعي نموذج بالغ الدلالة.. ففي مسلسل رأفت الهجان مثلا، أصبحت التيمة الموسيقية مرتبطة بالشخصية إلى الحد الذي تحولت فيه إلى ذاكرة سمعية لها، وكانت تتغير داخل المشاهد وفق الحالة الدرامية.. وهنا كان التتر والموسيقى التصويرية وجهين للغة واحدة.. ما نسمعه في المقدمة يعود إلينا داخل الأحداث محملا بمعنى جديد.


وكذلك عند عمر خيرت، وياسر عبد الرحمن، وجمال سلامة، وغيرهم، كانت الموسيقى تستطيع أن تقول ما لا يقوله الحوار أحيانا.. فهي تمنح الشخصية نبرة.. والمكان روحا، والزمن ملامح.


وفي المقابل، لا يمكن أن نتحدث عن موسيقى الدراما اليوم وكأنها فقدت روحها.. فنحن نمتلك جيلا جديدا من المؤلفين الموسيقيين، استطاع أن يثبت حضوره في عالم التأليف الموسيقي بروح إبداعية جديدة ورؤى مختلفة، ومن بينهم خالد الكمار وهشام نزيه وغيرهما.


أما الكلمات، فكانت حكاية أخرى.. سيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي وغيرهما لم يكتبوا أغنية تلخص أحداث المسلسل، وإنما كانوا يبحثون عن جوهره الإنساني. لذلك تحولت كلمات ليالي الحلمية والمال والبنون وأرابيسك وذئاب الجبل وغيرها من أعمال.. إلى نصوص قائمة بذاتها، لكنها في الوقت نفسه مرتبطة بعالمها الدرامي.. فكان الشاعر يدخل إلى قلب المسلسل، ولا يكتفي بالإشارة لمحتواه من الخارج، ولذلك بقيت كلمات تلك الأغاني خالدة وساعدت على خلود الأعمال نفسها.


وهنا ربما يكمن أحد الفروق الجوهرية بين الأمس واليوم، لم تختفِ أغنية التتر الحديثة، ولم تتراجع قيمتها دائما، لكن الكلمة فقدت في كثير من النماذج مركزها الدرامي لصالح منطق الأغنية الرائجة والانتشار السريع، فالترند يصنع انتشارا، لكنه لا يصنع بالضرورة ذاكرة! وقد يكون هذا هو الفارق بين أغنية تعيش موسما، وتتر يعيش لسنوات.


ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة التترات، تبدو الصورة أمام تحول جديد.. يستطيع الـAI أن يعيد تشكيل الوجوه والأزمنة، وأن يبني عوالم وأجواء سريالية، وأن يخلق مشاهد لم تكن ممكنة بالأدوات التقليدية. وإذا كان الجرافيك قد نقل التتر من المشهد المصور إلى المشهد المصمم، فإن الذكاء الاصطناعي ينقله إلى المشهد المتخيل.. ولكن اتساع مساحة الممكن بصريا يجعل الحاجة إلى الرؤية الفنية أكبر وليس أقل.


ربما لهذا لا ينبغي أن نقيس تطور التتر بعدد المؤثرات أو دقة الصورة أو حجم الإنتاج. فالمقياس الحقيقي أبسط وأصعب.. هل استطاع التتر أن يجعلنا نشعر بالمسلسل قبل أن يبدأ؟ وهل يستطيع بعد عشرين عاما، أن يعيد إلينا إحساسه بمجرد سماعنا نغمة أو جملة؟

التتر الجيد ليس بوابة أولية للعمل فحسب، وإنما أول نفس يأخذه العمل أمام جمهوره، وقديما عندما كانت الأدوات أقل، عرف بعض صناع الدراما كيف يجعلون هذا النفس يعيش طويلا.. أما اليوم، وقد أصبح بإمكاننا صناعة أي صورة تقريبا، فالتحدي لم يعد أن نعرف كيف نصنع الصورة، وإنما أن نعرف أي صورة تستحق أن تُصنع؟ وأي لحن يستحق أن يُحفظ؟ وأي كلمة تستحق أن تبقى؟!

الجريدة الرسمية