رئيس التحرير
عصام كامل

في ذكراه.. سيزان من محاكاة الواقع لاكتشافه

18 حجم الخط

في الثاني والعشرين من أكتوبر عام 1906، رحل الرسام الفرنسي بول سيزان، أحد أبرز رواد ما بعد الانطباعية، تاركا وراءه تجربة فنية امتدت آثارها إلى الطريقة التي نظر بها الفنانون إلى اللوحة والطبيعة والعالم من حولهم.

وُلد سيزان عام 1839 في مدينة إيكس أون بروفانس الفرنسية، وبدأ دراسة القانون قبل أن يتجه إلى الفن.. تنقّل بين الرومانسية والانطباعية، حتى طوّر أسلوبا خاصا أعاد من خلاله بناء الطبيعة من خلال اللون والكتلة والأشكال الهندسية.. وفي أعماله، مثل "لاعبو الورق" و"جبل سان فيكتوار"، وضع أسسا بصرية أسهمت في تمهيد الطريق أمام التكعيبية، ليصبح أحد أبرز الأسماء المؤسسة للفن الحديث.


لم يكن سيزان مجرد رسام بارع في نقل ما تراه عينه فقط.. فقد كان مشغولا بما هو أبعد من ذلك.. كيف يمكن للوحة أن تعيد بناء العالم، لا أن تكتفي بنسخه وتقليده؟ وكيف تتحول الطبيعة من مشهد أمام الفنان إلى علاقات من اللون والكتلة والفراغ لتمنح الأشياء وجودا جديدا فوق سطح اللوحة؟

فالتفاحة عند سيزان لم تكن مجرد ثمرة يرسمها، والجبل لم يكن مجرد منظر طبيعي ينقله إلى قماشته.. فقد كان يبحث في تكوين الأشياء، وفي الطريقة التي تتماسك بها أحجامها، وفي العلاقة بين اللون والشكل.. لم يتخلّ عن الطبيعة لحد ذاتها فكان مغرما بها، لكنه لم يعد يتعامل معها باعتبارها صورة جاهزة للاستنساخ.. كان يعيد اكتشافها بعينه أولا، ثم يعيد بناءها بفرشاته.

لهذا يُعرف سيزان بلقب “أبو الفن الحديث”، ليس لأنه أسسه وحده، وإنما لأن تجربته فتحت أمام الفنانين طرقا جديدة للتفكير في بناء الصورة، ومهدت، ضمن عوامل أخرى، لتحولات كبرى في الفن الأوروبي وبعد رحيله بعام، أُقيم معرض كبير لأعماله في باريس، أسهم في لفت الأنظار إلى تجربته، في وقت كانت فيه الفنون الأوروبية تتجه إلى مراجعة كثير من ثوابتها الفنية.

لكن ماذا عن مصر؟ كيف وصلت هذه التحولات إلى الفنان المصري، الذي كان بدوره يبحث عن طريق إلى فن حديث، لا ينفصل عن العالم، ولا يفقد صلته ببيئته وتراثه؟

في عام 1908، افتُتحت مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة بمبادرة من الأمير يوسف كمال، الذي دعم المشروع وخصّص له موارد مالية، واستعان بمعلمين أوروبيين. ولم تكن المدرسة مجرد مكان لتعلّم الرسم والنحت، بل كانت خطوة لتكوين حركة فنية لها مؤسساتها وروادها واتجهاتها الخاصة.. 

كما أتاحت البعثات إلى أوروبا لعدد من الفنانين المصريين فرصة دراسة الفن والاحتكاك بتجارب مختلفة.. وتشير المصادر التاريخية إلى أن المدرسة والبعثات قد ساعدوا في تكوين جيل رواد الفن المصري الحديث.

لكن السفر لم يكن طريقا واحدا لتشكيل شخصية جميع الفنانين.. فكل فنان عاد بما اختاره واستوعبه، وبما استطاع أن يضيفه إلى تجربته الشخصية.. وهنا ينبغي التمييز بين التعرف إلى سيزان والتأثر المباشر به. فقد توفي قبل افتتاح المدرسة المصرية، ولم يكن لقاؤه الشخصي بروادها أمرا ممكنا بطبيعة الحال.. 

أما أعماله وأفكاره، فقد أصبحت جزءا من المشهد الفني الأوروبي الذي تعرّف إليه الفنانون بعد وفاته.. ومع ذلك، لا يمكن أن ننسب إلى كل فنان مصري تأثرا بسيزان لمجرد أنه درس في أوروبا.. فمثل هذه العلاقة تحتاج إلى قراءة دقيقة للأعمال، وإلى تتبع مصادرها الفنية والفكرية.

فمثلا.. كان محمود مختار مثلا يبحث عن لغة نحتية تستعيد الذاكرة المصرية القديمة.. وفي نهضة مصر، يتجاور جسد الفلاحة المصرية مع “أبو الهول”، في تكوين يستحضر التاريخ ويعيد توظيفه في لحظة وطنية حديثة.. أما يوسف كامل وراغب عياد، فقد اتجه كل منهما إلى الحياة المصرية وشخصياتها وبيئاتها، لتصبح تفاصيل الواقع المحلي مادة لتجارب تشكيلية تتجاوز مجرد تسجيل المشهد.

ويبدو اسم محمود سعيد مهما عند الاقتراب من هذه المسافة بين الفن الأوروبي والبحث عن هوية بصرية مصرية.. فقد امتلكت لوحاته بناء تشكيليا متكاملا ومحكما، وحضورا واضحا للكتلة واللون، إلى جانب اهتمامه بالشخصية المصرية وعالمها الاجتماعي الخاص.. 

وفي دراسة منشورة بمجلة العمارة والفنون والعلوم الإنسانية عن لوحاته وعلاقتها بالذاكرة الجمعية المصرية، قالت: أن سعيد استوعب تأثيرات فنية متعددة، من بينها التكوين والتوازن والفراغ في أعمال سيزان، إلى جانب تأثيرات الفن المصري القديم والاتجاهات الانطباعية.

وهنا تصبح المقارنة أكثر من مجرد تشابه نلاحظه بالعين.. إذ نجد سندا بحثيا يتيح لنا الحديث عن تأثره الفني.. فمحمود سعيد لم يكن ينقل رؤية جاهزة، بل كان يصوغ عالمه الخاص، حتى أصبحت مصر في أعماله أكثر من موضوع للرسم.. بل أصبحت رؤية لها ملامحها وذاكرتها وإيقاعها الخاص.

لم يكن هؤلاء نسخة مصرية من فنان أوروبي بعينه، كما لم تتشكل تجاربهم بمعزل عن التحولات التي شهدتها الفنون في العالم.. إنما كانوا يتحركون بين ما تعلموه وما عاشوه، بين خبرات اكتسبوها خارج مصر وواقع عادوا إليه، وبين الرغبة في امتلاك أدوات الفن الحديث والإصرار على التعبير عن بيئتهم وتراثهم الخاص. وقد تناولت دراسات تاريخ الفن المصري الحديث هذه العلاقة العابرة للحدود، موضحة أن الحداثة المصرية تشكّلت من تفاعلات متعددة، لا من انتقال بسيط لنموذج أوروبي إلى بيئة محلية. 

وهنا تلتقي تجربة سيزان مع سؤال الفن المصري الحديث.. لا بالضرورة من خلال تأثير مباشر يمكن نسبته إلى كل فنان، بل من خلال سؤال أوسع: هل وظيفة الفن أن ينقل العالم كما هو، أم أن يكشف لنا ما لم نكن نراه فيه؟
 لقد غير سيزان علاقتنا باللوحة حين جعلها أكثر من نافذة تطل على الطبيعة.. فجعلها بناء له منطقه الخاص، ورؤية لا تتطابق تماما مع ما تراه أعيننا.. وربما كان هذا أحد الدروس المهمة التي أتاحها الفن الحديث للفنانين في أماكن مختلفة من العالم.. أن تعلم تقنيات الآخرين لا يعني ذوبان الذات فيها!

في ذكرى رحيله، لا نحتاج إلى البحث عن سيزان داخل كل لوحة مصرية حديثة، ولا إلى اختزال تاريخ الفن المصري في أثر أوروبي واحد.. الأهم أن نتأمل تلك اللحظة التي بدأ فيها الفنان المصري يكتشف إمكانات جديدة للرؤية والتعبير، ويعيد طرح أسئلته عن هويته وفلسفته واتجاهاته الفنية..

فالفن لا يتقدم دائما حين يتعلم كيف يرى الأشياء بطريقة مختلفة فحسب، بل عندما يكتشف أيضا ما الذي يريد أن يقوله بها.. وربما هنا تكمن المسافة الفاصلة بين أن نتأثر بتجربة فنية، وأن نصنع من معرفتنا بها بداية لتجربة تخصنا!

الجريدة الرسمية