رئيس التحرير
عصام كامل

أزمة هرمز من تهديد أمن الخليج إلى زعزعة الاستقرار العالمي

18 حجم الخط

لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد مواجهة عسكرية أو اضطراب مؤقت في حركة الملاحة الدولية، بل تحولت إلى أحد أبرز الاختبارات التي تواجه أمن منطقة الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي، فالتصعيد المتواصل في هذا الممر البحري الاستراتيجي يكشف عن تحول خطير في طبيعة الصراعات الإقليمية، حيث أصبحت الممرات البحرية الحيوية أدوات للضغط السياسي والعسكري، وأضحت تداعيات المواجهات تتجاوز الحدود الجغرافية لأطرافها، لتطال أمن الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد والتوازنات الاقتصادية الدولية.


خطورة التطورات الجارية تكمن في أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر لنقل النفط والغاز، وإنما يمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، ونقطة التقاء حساسة بين المصالح الاقتصادية للقوى الكبرى وحسابات الأمن الإقليمي. ولذلك، فإن استمرار القيود على الملاحة وتصاعد الهجمات على السفن والناقلات لا يهددان فقط انتظام حركة التجارة، بل يفتحان الباب أمام اضطرابات اقتصادية وأمنية قد يصعب احتواؤها إذا تحولت الأزمة إلى حالة استنزاف طويلة الأمد.


والأخطر أن استمرار عبور بعض السفن لا يعني بالضرورة استقرار الملاحة، لأن أمن الممرات البحرية لا يقاس بعدد الناقلات التي تتمكن من العبور فحسب وإنما بمدى انتظام الحركة وسلامتها وقدرة الشركات على العمل دون تهديدات استثنائية. فارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتراجع ثقة شركات الملاحة في البيئة الأمنية، قد يحولان المضيق إلى منطقة عالية المخاطر، حتى دون إغلاقه بصورة كاملة. 

 

وبطبيعة الحال، فإن الأزمة الراهنة تضع دول الخليج أمام تحديات استراتيجية متشابكة، إذ تجد نفسها مطالبة بحماية منشآتها الحيوية ومصالحها الاقتصادية وأمنها الوطني، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تكون كلفتها السياسية والأمنية والاقتصادية أكبر من قدرة أطرافها على التحكم في مساراتها.


ولا تقتصر المخاطر على الهجمات المحتملة ضد السفن أو المنشآت النفطية، بل تمتد إلى إمكانية اتساع المواجهات البحرية، وارتفاع احتمالات الاحتكاك العسكري المباشر بين القوى الموجودة في المنطقة. كما أن استمرار التوتر يفرض ضغوطًا إضافية على البيئة الاستثمارية، والمشروعات التنموية، وحركة التجارة والخدمات اللوجستية، ويزيد الأعباء المرتبطة بتأمين الحدود والمنشآت والممرات البحرية.


وتكشف هذه التطورات عن محدودية المقاربات الأمنية التقليدية التي تعتمد على الردع العسكري وحده لضمان الاستقرار. فالأمن الخليجي لم يعد مسألة تتعلق بحماية الحدود أو تعزيز القدرات الدفاعية فحسب، وإنما أصبح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن الطاقة والملاحة والتجارة والغذاء، وهو ما يستدعي بناء ترتيبات إقليمية أكثر شمولًا، تقوم على الحوار وخفض التصعيد وإدارة المخاطر المشتركة. 

 

بعبارة أخرى، فإن التحدي الأساسي لم يعد مقتصرا على منع توسع المواجهة الحالية، بل اتسع ليشمل تجنب تحول الممرات البحرية إلى ساحات دائمة للصراع، بما يعيد إنتاج التوتر ويضع دول المنطقة أمام تهديدات متكررة لاستقرارها ومصالحها الاستراتيجية.


بجانب ذلك، فإذا كانت أسواق النفط والغاز تمثل المجال الأكثر تأثرًا بصورة مباشرة بأزمة هرمز، فإن التداعيات الأشد خطورة قد تظهر تدريجيًا في أسواق الغذاء، نتيجة الترابط الوثيق بين إمدادات الطاقة وصناعة الأسمدة والإنتاج الزراعي وحركة النقل الدولي. فمنطقة الخليج تعد مركزًا مهمًا لإنتاج وتصدير الأسمدة، ولا سيما الأسمدة النيتروجينية التي يعتمد إنتاجها على الغاز الطبيعي. 

 

وبالتالي، فإن اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن قد يؤديان إلى زيادة أسعار الأسمدة وصعوبة وصولها إلى الأسواق المستوردة، وهو ما يرفع تكاليف الإنتاج الزراعي ويهدد إنتاجية المحاصيل في المواسم اللاحقة.


خطورة هذه التداعيات تكمن في أنها لا تظهر بالضرورة بصورة فورية، إذ قد تستغرق آثار نقص الأسمدة وارتفاع تكاليف الإنتاج دورة زراعية كاملة قبل أن تنعكس على حجم المعروض من الحبوب والمنتجات الغذائية وأسعارها. وتبدو الدول النامية، وخاصة في إفريقيا وآسيا، الأكثر تعرضًا لهذه المخاطر، بسبب اعتماد العديد منها على استيراد الطاقة والأسمدة والغذاء في الوقت نفسه، ومحدودية قدرتها المالية على مواجهة الارتفاع المتزامن في أسعار هذه السلع الأساسية.


وهنا تتجاوز الأزمة حدود الاقتصاد لتصبح قضية أمن إنساني واستقرار اجتماعي وسياسي، لأن ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية قد يفاقمان معدلات الفقر، ويزيدان الضغوط على الموازنات العامة، ويغذيان التوترات الاجتماعية في الدول الأكثر هشاشة. 

وبذلك، فإن استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز قد يحول مواجهة إقليمية محدودة جغرافيًا إلى أزمة غذائية ذات امتدادات عالمية، خاصة إذا تزامنت مع اضطرابات مناخية أو قيود تجارية أو تراجع الإنتاج الزراعي في مناطق أخرى.


بشكل عام، يمثل استمرار اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز تهديدًا مباشرًا لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، بالنظر إلى مرور نحو خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية عبره وفق تقديرات سابقة للأزمة، فضلًا عن أهميته في تجارة الغاز الطبيعي المسال. 

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على ارتفاع أسعار النفط والغاز، بل تشمل أيضًا زيادة تكاليف التأمين والنقل، وتعطل بعض عمليات التصدير، وارتفاع كلفة الحصول على الإمدادات البديلة، وهي عوامل تنعكس في النهاية على أسعار الوقود والكهرباء والنقل والإنتاج الصناعي.


ومن الضروري هنا التمييز بين ارتفاع الأسعار نتيجة المخاوف والمضاربات وتكاليف النقل، وبين حدوث نقص فعلي في الإمدادات. فقد تتمكن بعض الأسواق من استيعاب الصدمات المؤقتة باستخدام المخزونات الاستراتيجية وتنويع مصادر الاستيراد، إلا أن استمرار الاضطرابات لفترات طويلة قد يقلص فاعلية هذه البدائل، خاصة إذا امتدت الهجمات إلى منشآت الإنتاج والتصدير أو تعطلت الطرق البديلة.. 

حيث تعد الأسواق الآسيوية من أكثر الأسواق انكشافًا على اضطرابات صادرات الطاقة الخليجية، بحكم اعتمادها الكبير على هذه الإمدادات، في حين قد تواجه الأسواق الأوروبية ضغوطًا إضافية على أسعار الغاز والوقود نتيجة احتدام المنافسة على الشحنات البديلة.


غير أن التداعيات لن تقتصر على الدول المستوردة؛ فالدول المنتجة نفسها قد تتعرض لخسائر اقتصادية إذا أدت القيود البحرية إلى تعطيل صادراتها، حتى في ظل ارتفاع الأسعار العالمية. وهو ما يكشف أن استقرار أسواق الطاقة يمثل مصلحة مشتركة للمنتجين والمستهلكين على السواء. 

وعلى المدى الطويل، قد تدفع الأزمة مزيدًا من الدول إلى إعادة النظر في استراتيجيات أمن الطاقة، من خلال تنويع مصادر الإمداد، وتطوير خطوط الأنابيب والموانئ البديلة، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، وتسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة.


ما سبق يجعل مستقبل أزمة مضيق هرمز مرهونا بقدرة الأطراف المعنية على منع تحول التصعيد الراهن إلى مواجهة إقليمية مفتوحة. ويمكن في هذا السياق تصور ثلاثة مسارات رئيسية: يتمثل المسار الأول في نجاح الجهود الدبلوماسية في خفض التصعيد واستعادة الملاحة بصورة تدريجية، وهو السيناريو الذي يوفر أفضل الفرص لتخفيف الضغوط الاقتصادية والأمنية، وإن كان لا يضمن زوال آثار الأزمة بصورة فورية. 

 

أما المسار الثاني، فيقوم على استمرار حالة الاستنزاف والهجمات المتقطعة دون اندلاع مواجهة شاملة، بما يبقي حركة الملاحة والتجارة تحت ضغوط مستمرة، ويفرض على الدول والشركات تكاليف إضافية قد تتحول بمرور الوقت إلى أعباء هيكلية على الاقتصاد العالمي. 

 

في حين يتمثل المسار الثالث، وهو الأكثر خطورة، في اتساع المواجهات العسكرية واستهداف مزيد من المنشآت النفطية والموانئ والممرات البحرية، بما قد يقود إلى اضطراب واسع في إمدادات الطاقة وارتفاع حاد في تكاليف التجارة والغذاء، مع تداعيات أمنية وسياسية يصعب التنبؤ بحدودها. 

 

وتشير هذه السيناريوهات إلى أن كلفة استمرار الأزمة لا تقاس فقط بالخسائر المباشرة أو تقلبات أسعار النفط، وإنما أيضًا بما قد تتركه من آثار طويلة الأمد على بنية العلاقات الإقليمية والثقة في أمن التجارة العالمية.


ما سبق، يكشف عن حقيقة أساسية مفادها أن أمن الخليج لم يعد شأنًا إقليميًا منفصلًا عن استقرار الاقتصاد العالمي، وأن حماية الممرات البحرية لا يمكن أن تتحقق بصورة مستدامة من خلال الأدوات العسكرية وحدها، فالمطلوب هو مقاربة استراتيجية تجمع بين حماية الملاحة وفق قواعد القانون الدولي، وتفعيل المسارات الدبلوماسية لخفض التصعيد، وتعزيز التعاون الأمني بين دول المنطقة، وتطوير آليات دولية للتعامل مع اضطرابات إمدادات الطاقة والغذاء. 

 

كما أن استقرار الخليج يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى معالجة مصادر التوتر وبناء ترتيبات أمنية أكثر استدامة، تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها خارج أحكام القانون الدولي، وحماية المصالح الاقتصادية المشتركة.

في المحصلة، فإن خطورة أزمة مضيق هرمز لا تكمن فقط في تهديد عبور ناقلات النفط والغاز، وإنما في تحول أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى نقطة اختبار لقدرة النظام الدولي على حماية قواعد الملاحة والتجارة ومنع انتقال الصراعات الإقليمية إلى أزمات اقتصادية وإنسانية عالمية. 

غاية القول، إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في إعادة فتح المضيق أو تأمين مرور السفن بصورة مؤقتة، وإنما في منع تحول أمن الملاحة إلى ورقة دائمة في صراعات النفوذ الإقليمي والدولي. 

فاستقرار مضيق هرمز ليس مسألة بحرية أو اقتصادية فحسب، بل أصبح أحد الشروط الأساسية لأمن الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي، واختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على تغليب منطق التعاون والمصالح المشتركة على حسابات المواجهة والتصعيد.
والله من وراء القصد.

الجريدة الرسمية