إيران والحوثيون وإعادة تشكيل موازين القوى.. قراءة جيوستراتيجية
لم يعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل محصورًا في تبادل الضربات العسكرية أو استهداف المنشآت الاستراتيجية، بل يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الجغرافيا البحرية مع أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وتتحول فيها الممرات المائية إلى أدوات للضغط السياسي والاقتصادي.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز مضيق هرمز بوصفه إحدى أهم ساحات المواجهة، بالتزامن مع تطور القدرات العسكرية للحوثيين في اليمن، بما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط.
وتكشف التطورات الأخيرة عن انتقال إيراني من الاعتماد على القدرات العسكرية التقليدية إلى توظيف أدوات الحرب غير المتكافئة، وتعطيل الملاحة، ورفع تكلفة التدخل العسكري الأمريكي، في محاولة لتعويض الخسائر التي تعرضت لها البنية العسكرية الإيرانية منذ اندلاع المواجهة في 28 فبراير 2026.
وتزداد أهمية هذا التحول مع تقارير تفيد بأن طهران تسعى إلى إبقاء أسعار النفط مرتفعة للتأثير على البيئة السياسية الأمريكية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر، بينما يعمل الحوثيون على تطوير قدرات تصنيع صاروخي محلية باستخدام مكونات مستوردة من الصين. ويضع تزامن المسارين منطقة الخليج والبحر الأحمر أمام تحديات أمنية جديدة، قد تتجاوز تداعياتها حدود المواجهة الأمريكية الإيرانية.
فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ متوسط تدفقات النفط عبر المضيق نحو 20.9 مليون برميل يوميًا خلال النصف الأول من عام 2025، بما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، فضلًا عن عبور أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، الأمر الذي يعكس الوزن الاستراتيجي للمضيق، لكنها تكشف أيضًا حجم التأثير الذي قد يترتب على أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة.
غير أن التحول الأكثر أهمية لا يتعلق بمجرد تهديد إيران بإغلاق المضيق، وإنما بمحاولتها فرض قواعد جديدة للعبور، تجعل استمرار حركة التجارة مرهونًا بقدرتها على تحديد السفن المسموح لها بالمرور وتلك التي تعتبرها مخالفة لقيودها.
وبذلك، تنتقل طهران من استراتيجية التهديد بالإغلاق الشامل إلى استراتيجية التحكم الانتقائي في مستوى المخاطر البحرية، بما يسمح لها بممارسة الضغط الاقتصادي دون الحاجة بالضرورة إلى تنفيذ حصار كامل ومستدام. وهو ما تسعى طهران من خلال لاكتساب هامشًا للمناورة؛ إذ يمكنها تصعيد الهجمات أو تخفيفها تبعًا للتطورات العسكرية والسياسية، مع إبقاء أسواق الطاقة وشركات التأمين والملاحة في حالة مستمرة من عدم اليقين.
فإيران لا تحتاج إلى منع كل ناقلة من العبور حتى تحقق جزءًا من أهدافها، لأن ارتفاع احتمالات الاستهداف قد يكون كافيًا لزيادة تكلفة التأمين والشحن، ودفع بعض الشركات إلى تقليص عملياتها أو إعادة تقييم مساراتها التجارية. وهنا يصبح الخطر الاقتصادي الناتج عن احتمالات الهجوم عنصرًا من عناصر القوة، وليس مجرد نتيجة جانبية للعمليات العسكرية.
إذ اتجهت الحرس الثوري الإيراني مؤخرا لاستخدام مراقبين غير مسلحين على متن قوارب صغيرة لرصد السفن وتحديد الأهداف المحتملة، بعد تدمير جزء كبير من قدراته الرادارية خلال الضربات الأمريكية، وهو ما يحمل دلالات عسكرية تتجاوز طبيعة الوسيلة المستخدمة..
لأنه يعكس محاولة لتكييف منظومة الاستطلاع والاستهداف مع واقع ميداني فقدت فيه إيران جزءًا من بنيتها التكنولوجية والعسكرية التقليدية، لتتجه -بدلا من ذلك- إلى مقاربة تنسجم مع منطق الحرب غير المتكافئة، التي تسعى فيها القوة الأضعف تقليديًا إلى استنزاف خصم أكثر تفوقًا عبر تكتيكات منخفضة التكلفة، يصعب تعطيلها بالكامل باستخدام القوة العسكرية التقليدية.
في هذا السياق، يمثل الإعلان عن نية توسيع العمليات الإيرانية خارج مضيق هرمز، باتجاه خليج عُمان والمياه القريبة من قطر والإمارات العربية المتحدة، تطورًا بالغ الحساسية بالنسبة للأمن الإقليمي.
فالاتساع الجغرافي للتهديد يعني أن المخاطر لم تعد مقتصرة على الممر البحري الضيق، بل قد تطال نطاقًا أوسع من طرق الملاحة المرتبطة بالموانئ التجارية ومحطات تصدير الطاقة والبنية اللوجستية الخليجية. وهنا تواجه دول الخليج واقعا أمنيا جديدا أكثر تعقيدا يجمع بين ضرورة حماية المنشآت الاقتصادية والحفاظ على حرية التجارة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية إقليمية شاملة..
لاسيما فيما يخص الإمارات والسعودية بحكم دورهما في أسواق الطاقة العالمية، وإن اختلفت طبيعة المخاطر التي تواجه كل دولة تبعًا لموقعها الجغرافي وبنيتها التصديرية وقدراتها على استخدام مسارات بديلة.
فالسعودية تمتلك منفذًا استراتيجيًا على البحر الأحمر عبر خط أنابيب شرق–غرب، بينما تتمتع الإمارات بإمكانية تصدير جزء من نفطها عبر الفجيرة خارج مضيق هرمز. في المقابل، تظل صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية شديدة الارتباط بالممر البحري.
غير أن هذه البدائل لا تستطيع تعويض كامل التدفقات التي تمر عبر المضيق. وقدّرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الطاقة المتاحة لتجاوز هرمز عبر خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية بنحو 4.7 ملايين برميل يوميًا في النصف الأول من 2025، وهو جزء محدود من إجمالي التدفقات النفطية المعتادة عبره.
وتبرز هنا مفارقة جيوستراتيجية مهمة، إذ إن محاولة الالتفاف على مضيق هرمز عبر موانئ البحر الأحمر قد تنقل جزءًا من المخاطر إلى منطقة تواجه أصلًا تهديدات الحوثيين، ما يجعل أمن الممرات البحرية في الشرق الأوسط مسألة مترابطة جغرافيًا وعملياتيًا. وبذلك، يصبح ضمان أمن الخليج غير منفصل عن استقرار البحر الأحمر واليمن، كما تتراجع جدوى التعامل مع كل ممر مائي باعتباره ساحة أمنية مستقلة.
بالتوازي مع التحركات الإيرانية في مضيق هرمز، يكشف تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" أخيرا، عن مساعٍ حوثية لتطوير صواريخ باليستية متوسطة المدى باستخدام مكونات مستوردة من الصين، بهدف إنتاج نسخة محلية من الصاروخ الإيراني "خيبر شكن". وتشمل المكونات التي تحدث عنها التقرير أجزاء من المحركات والزعانف والهياكل ومواد الحماية الحرارية، وهي عناصر تدخل في تصنيع المنظومات الصاروخية المتقدمة.
وقد يصل مدى الصاروخ المستهدف إلى نحو 1900 كيلومتر، ما يوسع نظريًا نطاق الأهداف التي يمكن أن تصل إليها الترسانة الحوثية. غير أن ضبط هذه المكونات لا يثبت اكتمال إنتاج الصاروخ أو دخوله الخدمة العملياتية.
بما يعكس تغيرًا في طبيعة التهديدات الإقليمية؛ فبدلًا من ارتباط القدرات الصاروخية بصورة مباشرة ومستدامة بخطوط الإمداد الإيرانية، قد تتجه الجماعة نحو بناء قاعدة إنتاج محلية تعتمد على استيراد المكونات والمواد مزدوجة الاستخدام.
وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة الاستقلال الاستراتيجي الكامل عن إيران، لأن نقل المعرفة التقنية والتصميمات والتدريب قد يستمر حتى في حال تراجع الاعتماد على توريد الصواريخ المكتملة. ذلك أن تطور القدرات الحوثية يضيف بعدًا جديدًا إلى توازنات القوة في شبه الجزيرة العربية، خاصة إذا اقترن بتحسن دقة الصواريخ ومرونة منصات الإطلاق وفاعلية شبكات الاستطلاع والاستهداف.
وهو ما يعني مضاعفة قدرة الحوثيين على تهديد أهداف اقتصادية وعسكرية بعيدة، وتفرض على دول المنطقة تخصيص موارد أكبر لحماية منشآتها الحيوية، بصرف النظر عن العدد الفعلي للصواريخ المنتجة.
في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن تحوّل جيوستراتيجي في الشرق الأوسط، تتداخل فيه التهديدات البحرية مع القدرات العسكرية غير التقليدية، بما يجعل أمن الخليج والبحر الأحمر معادلة مترابطة، وهو ما يضع دول المنطقة أمام تحديات متصاعدة لحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وسط احتمالات اتساع الصراع وتزايد كلفته الإقليمية والدولية.
