رئيس التحرير
عصام كامل

إسرائيل من هجرة العقول إلى هجرة المستقبل

18 حجم الخط

لم تعد ظاهرة مغادرة الكفاءات الإسرائيلية إلى الخارج مجرد قضية اقتصادية أو مهنية محدودة، بل بدأت تتحول تدريجيًا إلى أحد المؤشرات الأكثر دلالة على عمق الأزمة التي يمر بها المجتمع الإسرائيلي. فالأرقام الأخيرة المتعلقة بهجرة الأطباء تكشف جانبًا بالغ الحساسية من هذه الأزمة، فالدولة التي بنت جزءًا مهمًا من قوتها على قدرتها على استقطاب العقول وتطويرها والاحتفاظ بها، بدأت تواجه ظاهرة معاكسة تتمثل في خروج نسبة متزايدة من أصحاب المهارات والخبرات إلى الخارج. 

 

فقد أظهرت دراسة أخيرة لجامعة تل أبيب، استنادًا إلى بيانات رسمية، أن نحو 1,370 طبيبًا غادروا إسرائيل لفترة لا تقل عن عام خلال 2023-2025، بزيادة بلغت 94% مقارنة بالفترة المماثلة قبل عقد، عندما بلغ العدد 705 أطباء فقط. وسجل عام 2024 وحده مغادرة 530 طبيبًا، وهو أعلى رقم في السلسلة الجديدة، فيما تشير التقديرات الأولية إلى مغادرة نحو 419 طبيبًا في 2025. 

 

لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها العددي وحده، وإنما في دلالتها الاجتماعية والسياسية. فالمشكلة لا تتعلق فقط بعدد الأطباء الذين غادروا وإنما تتعلق بالزيادة المتسارعة لهجرة أصحاب الكفاءات ورؤيته لمستقبلهم المهني والشخصي خارج إسرائيل.


المؤشرات السابقة تفرض علينا عدم الفصل بين هجرة الأطباء في إسرائيل والتحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي منذ 2023. فقد بدأت الأزمة السياسية الحادة حول خطة الحكومة لإعادة تشكيل النظام القضائي في خلق انقسام اجتماعي واسع، وصل إلى قطاعات مهنية كان يُنظر إليها تقليديًا باعتبارها بعيدة نسبيًا عن الاستقطاب السياسي. 

 

وكان الأطباء في مقدمة هذه القطاعات، ففي يوليو 2023 شارك الأطباء في الإضرابات والاحتجاجات ضد التعديلات القضائية، محذرين من انعكاساتها على النظام الصحي وعلى البيئة التي يمارسون فيها مهنتهم. ولم يكن ذلك مجرد خلاف سياسي عابر؛ فقد كشف عن انقسام أعمق حول طبيعة الدولة واتجاهها ومستقبل مؤسساتها.


هنا تصبح هجرة الطبيب أكثر من مجرد انتقال مهني، فالطبيب الذي درس وتخصص وبنى شبكة مهنية واجتماعية داخل إسرائيل، ثم يقرر العمل في الخارج لعام أو أكثر، قد يكون في بعض الحالات بصدد البحث عن فرصة مهنية أفضل، لكن تزايد الظاهرة في فترة قصيرة يشير إلى أن حسابات المستقبل نفسها بدأت تتغير لدى شريحة من أصحاب الكفاءات. 

 

وهذا هو البعد الأخطر حينما يصبح قرار البقاء أو المغادرة مرتبطًا –ولو جزئيًا – بدرجة الثقة في المستقبل السياسي والأمني والمؤسسي للدولة، فإن المشكلة تتحول من "هجرة عقول" إلى أزمة ثقة في البيئة الوطنية الحاضنة لهذه العقول.


هذه القراءة لا تعني أن الحرب التي بدأت بعد 7 أكتوبر 2023 ليست عاملًا رئيسيًا في دفع الإسرائيليين إلى الخارج؛ بل على العكس، فقد أضافت الحرب طبقة جديدة من الضغوط الأمنية والنفسية والاقتصادية إلى مجتمع كان أصلًا يعيش انقسامًا داخليًا شديدًا. 

 

فالأزمة المتعلقة بخروج الكفاءات بدأت في سياق الاضطراب السياسي والاجتماعي الذي شهدته إسرائيل خلال 2023، ثم جاءت الحرب لتضاعف حالة عدم اليقين. وتشير أبحاث سابقة لجامعة تل أبيب إلى أن نحو 90 ألف إسرائيلي غادروا البلاد خلال الفترة من يناير 2023 إلى سبتمبر 2024، ومن بينهم أطباء ومهندسون وحملة درجات علمية متقدمة، في وقت ارتبطت فيه زيادة الهجرة بالتوتر السياسي الذي أحدثته خطة الإصلاح القضائي ثم بالحرب.

 

وبذلك لا تبدو الحرب هي من أنشأ الأزمة بل هي عامل لتسريع وتيرتها وتعميقها. وهذا فارق جوهري؛ لأن الدولة تستطيع التعامل مع موجة هجرة مؤقتة ناجمة عن حرب باعتبارها نتيجة استثنائية لظرف أمني، لكنها تواجه مشكلة أكثر تعقيدًا عندما تتداخل الحرب مع الاستقطاب السياسي، والقلق الاقتصادي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتغير تصورات الأجيال الشابة حول مستقبلها.


الجدير بالذكر أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الأطباء، لكن ما يجعل هذه الأزمة أكثر خطورة أنها تأتي ضمن اتجاه أوسع يتعلق برأس المال البشري الإسرائيلي. فبحسب بيانات سلطة الابتكار الإسرائيلية، غادر نحو 8,300 من العاملين في قطاع التكنولوجيا إسرائيل لمدة عام أو أكثر بين اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 ويوليو 2024، أي ما يعادل نحو 2.1% من قوة العمل في القطاع. 

 

كما تراجع عدد العاملين في التكنولوجيا الفائقة بنحو 5 آلاف شخص خلال 2024، في أول انخفاض من نوعه خلال أكثر من عقد. وتكتسب هذه الأرقام وزنًا خاصًا في الحالة الإسرائيلية؛ لأن التكنولوجيا الفائقة ليست قطاعًا اقتصاديًا عاديًا، وإنما أحد الأعمدة الأساسية للنمو والتصدير والإيرادات الضريبية والقدرة التنافسية الدولية.


وإذا أضفنا ما سبق لخروج الأطباء والباحثين والمهندسين وغيرهم من أصحاب المهارات العالية، فإن المسألة تبدأ في التحول إلى ما يمكن تسميته نزيفًا لرأس المال البشري الاستراتيجي. فالدولة لا تخسر موظفًا فحسب عندما يغادر طبيب متخصص أو مهندس أو باحث متميز؛ إنها تخسر سنوات من التعليم والتدريب والخبرة التي أنفقت عليها الأسرة والمؤسسات والدولة، فضلًا عن خسارة القيمة التي كان يمكن أن ينتجها هذا الفرد داخل الاقتصاد والمجتمع.


الأخطر على المجتمع الإسرائيلي ولعله ما يعمق الأزمة أن مشكلة الهجرة لا تتركز فقط في الأطباء حديثي التخرج، بل تشمل نسبة مهمة من أصحاب الخبرة. فتشير الدراسة إلى أن نحو 20% من المغادرين خلال 2023-2025 كانوا في سن 45 عامًا فأكثر، أي نحو طبيب واحد من كل خمسة، مقارنة بنحو 14% في الفترة السابقة. 

 

وهنا تظهر مشكلة فقدان الخبرة التي قد تكون أخطر من مجرد فقدان الأعداد. فالطبيب الشاب يمكن ولو بشكل نظري تعويضه مع مرور الوقت، أما الطبيب الذي أمضى عقودًا في التخصص والعمل والتدريب والإشراف، فإن خروجه يعني فقدان خبرة تراكمية يصعب استعادتها سريعًا.


في المحصلة، لا تكمن خطورة هجرة الأطباء الإسرائيليين في استنزاف القطاع الصحي وحده، وإنما في كونها تعكس أزمة مجتمعية أوسع تتقاطع فيها الحرب مع الاستقطاب السياسي وتراجع الثقة بالمؤسسات والقلق الاقتصادي وتآكل اليقين بالمستقبل. 

 

فحين لا يعود أصحاب الكفاءات يرون مستقبلهم المهني والشخصي داخل الدولة العبرية بالقدر نفسه من الثقة، تصبح مغادرتهم أكثر من قرار فردي، وتتحول إلى مؤشر على خلل في العلاقة بين المجتمع والدولة.

وعلى هذا، تبدو هجرة الأطباء والتقنيين والباحثين جزءًا من ظاهرة أعمق يمكن وصفها بـ هجرة المستقبل؛ أي أن الأزمة لم تعد تتعلق فقط بمن يغادر، وإنما بما يدفع قطاعات من المجتمع إلى إعادة النظر في جدوى البقاء. وإذا استمر هذا المسار، فإن إسرائيل لن تواجه فقط نقصًا في الأطباء والخبرات، بل ستواجه سؤالًا أكثر جوهرية حول تماسك مجتمعها وقدرته على الاحتفاظ بنخبته المهنية والعلمية، وعلى بناء ثقة مشتركة بمستقبل الدولة.

الجريدة الرسمية