العرب في إسرائيل وأزمة الاندماج الوطني
لا تبدو الأزمة التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي اليوم مجرد انعكاس للاستقطاب السياسي بين اليمين واليسار، أو نتيجة مباشرة للحرب وتداعياتها، أو حتى امتدادًا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ إذ تكشف هذه المظاهر، على اختلاف طبيعتها، عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة ذاتها، وبقدرتها على بناء هوية وطنية جامعة تستوعب التعدد القومي والديني والاجتماعي لمواطنيها.
وفي قلب هذه الأزمة تبرز قضية المواطنين العرب كأحد أكثر الاختبارات وضوحًا للتناقض بين مفهوم المواطنة القانونية ومتطلبات الاندماج الوطني، وبين الهوية القومية التي تقوم عليها الدولة ومبدأ المساواة الذي يفترض أن يحكم علاقتها بجميع مواطنيها.
فبعد أكثر من سبعة عقود على تأسيس إسرائيل، لا تزال العلاقة بين الدولة والمجتمع محكومة بتوترات تتجاوز الخلافات الحزبية والسياسات الحكومية المتعاقبة. فرغم نجاح الدولة في بناء مؤسسات سياسية واقتصادية وأمنية متطورة، وقدرتها على استيعاب موجات متعاقبة من الهجرة اليهودية، وتأسيس اقتصادٍ متقدمٍ في مجالات التكنولوجيا والمعرفة، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في صياغة تصور وطني مشترك تتوافق عليه الجماعات المختلفة بشأن طبيعة الدولة ومصادر شرعيتها وحدود المواطنة فيها.
ومن هنا، فإن قوة المؤسسات لا تعني بالضرورة اكتمال الاندماج الوطني، كما أن وجود هوية قومية مشتركة لدى الأغلبية لا يضمن وحده التوافق حول طبيعة الجماعة السياسية التي تمثلها الدولة.
بشكل عام، تمثل قضية المواطنين العرب في إسرائيل واحدة من أبرز تجليات هذه المعضلة؛ فالعرب الذين يشكلون نحو خُمس السكان، ليسوا جماعة معزولة عن المجتمع الإسرائيلي إذ يشاركون في مؤسساته التعليمية والاقتصادية والصحية والسياسية، ويتزايد حضورهم في الجامعات والمهن المتخصصة وسوق العمل. غير أن هذا الاندماج المؤسسي لم يتحول إلى اندماج وطني مكتمل، لأن الإشكالية لا تتعلق فقط بمدى قدرة المواطن العربي على الالتحاق بمؤسسات الدولة، وإنما أيضًا بموقع هويته القومية في تعريفها السياسي والدستوري.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات للاندماج: الاندماج المؤسسي، الذي يتحقق من خلال المشاركة في التعليم والعمل والخدمات العامة؛ والاندماج الاجتماعي، الذي يقوم على التفاعل والثقة والعلاقات المتبادلة بين الجماعات؛ والاندماج الوطني، الذي يتطلب الاعتراف المتبادل بشرعية الانتماء والمشاركة في تقرير مستقبل الدولة.
وقد يتقدم المستوى الأول دون أن يتحقق المستويان الآخران بالقدر نفسه. فالمواطن العربي يستطيع أن يكون طبيبًا أو أكاديميًا أو عاملًا في مؤسسات الدولة، وأن يمارس حقه الانتخابي، لكنه قد يظل يواجه تساؤلات سياسية واجتماعية حول مدى الاعتراف به شريكًا متكافئًا في تعريف الجماعة الوطنية وتحديد مستقبلها.
وتتصل هذه الإشكالية بالطبيعة القومية للمشروع الإسرائيلي، الذي استهدف توحيد جماعات يهودية متعددة الأصول والثقافات ضمن إطار قومي مشترك، في الوقت الذي أصبح فيه الفلسطينيون الذين بقوا داخل حدود الدولة أقلية قومية في وطنهم التاريخي. وقد أنتج ذلك مسارين مختلفين للاندماج: مسارًا يسعى إلى دمج الجماعات اليهودية المتنوعة داخل هوية قومية يهودية مشتركة، ومسارًا آخر يتعلق بإدماج المواطنين العرب في مؤسسات الدولة من دون أن يحظى انتماؤهم القومي بالمكانة التأسيسية نفسها في تعريفها الدستوري.
وقد تجسد هذا التوتر بوضوح فيما يعرف بـ "القانون الأساسي"، أو قانون يهودية الدولة، تحت شعار "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"، الصادر عام 2018، الذي نص على أن حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل يخص الشعب اليهودي وحده.
وبينما يرى مؤيدو القانون أنه يكرس الهوية القومية للدولة، في حين أنه -في واقع الأمر- يعمق التفاوت بين المواطنة الفردية والاعتراف بالحقوق القومية الجماعية. وبذلك، لا تعود المسألة مجرد خلاف حول سياسات حكومية قابلة للتغيير، بل تتصل بالقدرة على بناء مواطنة متساوية داخل دولة يقوم تعريفها الدستوري على أولوية قومية جماعة بعينها.
وعلى مستوى التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، فأزمة المواطنين العرب لا تقتصر على مسألة الهوية والاعتراف، بل تمتد إلى التفاوت في شروط الحياة والفرص الاقتصادية والاجتماعية. حيث قدرت نسبة الفقر بين الأسر العربية بـ 37.6%، كما تظهر بيانات سوق العمل فجوة واسعة في مشاركة النساء العربيات في قوة العمل مقارنة بالنساء اليهوديات؛ إذ بلغت النسبتان 36.9% و65.4% على التوالي. كذلك بلغ متوسط الأجر الشهري في البلدات العربية نحو تسعة آلاف شيكل، مقابل 14.7 ألف شيكل في البلدات اليهودية، وفق بيانات عام.
ولا تعني هذه المؤشرات أن التفاوت الاقتصادي ناتج عن عامل واحد، أو أن جميع الفجوات يمكن ردها إلى التمييز المباشر؛ إذ تتداخل فيها عوامل التعليم والبنية التحتية والموقع الجغرافي وتوزيع فرص العمل والموارد المتاحة. لكنها تشير إلى أن المساواة القانونية لا تؤدي تلقائيًا إلى تكافؤ فعلي في الفرص، وأن المشاركة في الاقتصاد لا تضمن بالضرورة الحصول على نصيب متساوٍ من ثماره.
وتتضح المفارقة بصورة أكبر في مجال التعليم العالي، فقد تجاوز عدد الطلاب العرب في مؤسسات التعليم العالي ستين ألف طالب خلال العام الدراسي 2023–2024، وبلغت حصتهم من طلاب البكالوريوس 20.4%، قبل أن تتراجع إلى 16.3% في الماجستير و9.1% في الدكتوراه، وهي الفجوة التي تكشف عن تقدم ملموس في فرص الالتحاق بالتعليم الجامعي، يقابله استمرار التفاوت في الوصول إلى المستويات الأكاديمية العليا.
إن أهمية هذه المؤشرات لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في دلالتها على طبيعة الاندماج القائم، فالدولة قد تتيح فرصًا متزايدة للأفراد للانخراط في مؤسساتها، من دون أن تتمكن بالضرورة من إزالة الاختلالات المتراكمة التي تحدد مواقع الجماعات المختلفة داخل المجتمع. وحين يستمر التفاوت عبر الأجيال، تصبح الفجوات الاقتصادية والاجتماعية عاملًا يعيد إنتاج المسافة السياسية والنفسية بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
أما على مستوى العنف والجريمة وأزمة الثقة بمؤسسات الدولة، فالملاحظ أن أزمة الاندماج قد بلغت مستوى أكثر خطورة عندما تتصل بالأمن الشخصي والثقة في قدرة الدولة على حماية مواطنيها، فقد سجلت الشرطة الإسرائيلية 241 ضحية قتل من المجتمع العربي خلال عام 2025، بينما وثقت منظمة "مبادرات إبراهيم" 252 ضحية وفق منهجيتها الإحصائية. ورغم اختلاف الأرقام باختلاف مصادر التوثيق ومعايير التصنيف، فإنها تشير إلى مستوى بالغ الخطورة من العنف الذي يواجه المجتمع العربي.
ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بردها إلى سبب واحد؛ فهي ترتبط بتداخل الجريمة المنظمة وانتشار السلاح والظروف الاجتماعية والاقتصادية وفعالية إنفاذ القانون. كما أن الأرقام وحدها لا تثبت وجود سياسة متعمدة لإهمال حماية المواطنين العرب. غير أن استمرار هذه المستويات من العنف يطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة مؤسسات الدولة على توفير الحماية بصورة متكافئة، وحول أثر التفاوت في الأمن الشخصي على ثقة المواطنين بالشرطة والنظام السياسي.
فالمواطنة لا تُختبر فقط في صناديق الاقتراع أو في النصوص القانونية، وإنما تُختبر أيضًا في قدرة الفرد على ممارسة حياته اليومية بأمان، وفي اقتناعه بأن الدولة توفر له الحماية ذاتها التي توفرها لسائر مواطنيها. وعندما تتسع الفجوة بين الحقوق المعلنة والتجربة اليومية للمواطن، تتراجع قدرة المؤسسات على إنتاج الثقة، وهي إحدى الركائز الأساسية لأي اندماج وطني مستقر.
ومن ثم، فإن أزمة العنف في المجتمع العربي ليست قضية أمنية منفصلة عن السياق السياسي والاجتماعي الأوسع؛ إنها تمثل أحد المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس جودة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، فالأمن الشخصي ليس مجرد خدمة عامة، بل هو تعبير عملي عن المساواة في المواطنة.
وعلى مستوى المشاركة السياسية تظهر أزمة الاندماج في حدود المشاركة السياسية للمواطنين العرب، فوجود أحزاب عربية في الكنيست، ومشاركة المواطنين العرب في الانتخابات، لا يعنيان أن الشراكة في السلطة أصبحت مقبولة اجتماعيًا وسياسيًا لدى قطاعات واسعة من الأغلبية اليهودية.
وتكشف نتائج مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي عن هذه المفارقة؛ إذ أيد 77% من المستطلعين العرب مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة، في حين عارض ذلك 71.5% من المستطلعين اليهود، كما تباينت مواقف اليهود أنفسهم تبعًا لانتماءاتهم السياسية، من تأييد أوسع في اليسار إلى تأييد محدود في اليمين.
وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة لا تتعلق بمجرد إتاحة التمثيل السياسي للأقلية، وإنما بمدى الاعتراف بها شريكًا مشروعًا في إدارة الدولة وصياغة سياساتها. فالديمقراطية لا تختزل في حق التصويت أو في التنافس بين الأحزاب، بل تتطلب أيضًا قبولًا مبدئيًا بشرعية مشاركة الجماعات المختلفة في الحكم، ما دامت تعمل ضمن القواعد الدستورية والسياسية المشتركة.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا في ظل الحرب التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما صاحبها من تصاعد الاعتبارات الأمنية وتزايد الحساسية تجاه المواقف المرتبطة بالقضية الفلسطينية والحرب في غزة. فالمواطنون العرب يحملون الجنسية الإسرائيلية، وينتمون في الوقت نفسه إلى الشعب الفلسطيني ثقافيًا وتاريخيًا. ولا يمثل هذا الانتماء المزدوج تناقضًا في ذاته، لكنه يصبح مصدرًا للتوتر حين يُربط الانتماء السياسي بمعايير قومية ضيقة، أو حين تُعامل الهوية الفلسطينية باعتبارها موضع اشتباه في الولاء.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح التحدي أمام الدولة أكبر من مجرد إدارة الخلاف السياسي؛ إذ يتعلق بقدرتها على التمييز بين الاختلاف في الهوية أو الموقف السياسي وبين الخروج على القانون، وعلى حماية الحقوق المدنية والسياسية من أن تتحول الاعتبارات الأمنية إلى أساس لتقييدها بصورة غير متكافئة.
على أية حال، فرغم ورغم خصوصية موقع المواطنين العرب، فإن أزمة الاندماج في إسرائيل لا تقتصر على العلاقة بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية. فالمجتمع اليهودي نفسه يعاني انقسامات عميقة حول الدين والدولة، والخدمة العسكرية، ومصدر الشرعية السياسية، ودور القضاء، وطبيعة المجال العام. وتكشف قضية إعفاء قطاعات من اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية، والصراع حول التعديلات القضائية، عن تنافس بين تصورات مختلفة للمواطنة والواجب الوطني وحدود سلطة المؤسسات.
ففي قضية التجنيد، يتعارض تصور يرى الخدمة العسكرية أساسًا لتقاسم الأعباء الوطنية مع تصور يمنح الدراسة الدينية وحماية نمط الحياة الحريدي أولوية خاصة. وفي أزمة القضاء، يتجسد الخلاف حول التوازن بين سلطة الأغلبية المنتخبة والرقابة القضائية، وبين طبيعة الدولة اليهودية ومقتضياتها الديمقراطية. وهكذا لا يختلف الإسرائيليون بشأن السياسات فحسب، بل بشأن المبادئ التي ينبغي أن تحكم الدولة ذاتها.
وتكشف هذه الانقسامات أن الهوية اليهودية المشتركة، على قوتها التاريخية والسياسية، لا تنتج بالضرورة تصورًا موحدًا لطبيعة الدولة أو لحدود الواجبات المدنية. فقد تحقق تماسك قومي واسع في بعض المجالات، خصوصًا المرتبطة بالأمن والذاكرة التاريخية، بينما تستمر الخلافات حول توزيع الأعباء والموارد وسلطة المؤسسات الدينية والقضائية.
ومن هنا، ينبغي فهم أزمة المواطنين العرب ضمن صورة أوسع تتعلق بحدود النموذج الإسرائيلي في "بناء الأمة"، فالمشكلة ليست غياب الروابط المشتركة تمامًا، وإنما عدم الاتفاق على الإطار الذي ينظم العلاقة بين الهويات المختلفة، ويحدد الحقوق والواجبات، ويضمن شرعية المشاركة السياسية. وإذا كانت الانقسامات داخل المجتمع اليهودي تكشف صعوبة التوفيق بين تصورات متنافسة للدولة، فإن قضية العرب تكشف حدود هذا النموذج عندما يتعلق الأمر بجماعة قومية لا تتمتع بالمكانة التأسيسية نفسها في تعريف الدولة.
وبالتالي تكشف أزمة العرب في إسرائيل عن تناقض يتجاوز حدود الأقلية العربية وحقوقها المباشرة؛ فهي تطرح سؤالًا يتعلق بطبيعة الدولة والمجتمع معًا: هل يكفي بناء مؤسسات قوية واقتصاد متقدم ونظام انتخابي متعدد الأحزاب لإنتاج مجتمع وطني متماسك، أم أن الاندماج الوطني يتطلب، إلى جانب ذلك، اتفاقًا على المساواة في المواطنة والاعتراف المتبادل بالهويات وشرعية المشاركة في تقرير المستقبل المشترك؟
غاية القول إن التجربة الإسرائيلية تشير إلى أن الاندماج المؤسسي مهما بلغ اتساعه لا يضمن وحده اندماجًا اجتماعيًا أو وطنيًا مكتملًا. كما أن قوة الهوية القومية لدى الأغلبية لا تحسم بالضرورة الخلافات داخلها، ولا تعالج التوتر بينها وبين الجماعات الأخرى. فالأزمة العربية تتصل بالتفاوت الاجتماعي والاقتصادي وبأمن المواطنين وبحدود المشاركة السياسية، لكنها ترتبط أيضًا بسؤال الاعتراف بالهوية القومية وموقعها في تعريف الدولة.
بهذا المعنى، لا تمثل أزمة العرب في إسرائيل مجرد مشكلة أقلية تسعى إلى تحسين شروط اندماجها داخل دولة قائمة، بل تكشف أحد الاختبارات الجوهرية التي يواجهها المجتمع الإسرائيلي في تحديد طبيعة جماعته السياسية. فالقضية العربية تضع الدولة أمام معضلة الموازنة بين تعريفها القومي اليهودي ومبدأ المساواة بين مواطنيها، فيما تضع الانقسامات داخل المجتمع اليهودي الدولة أمام سؤال موازٍ يتعلق بمصدر الشرعية وحدود السلطة وطبيعة الواجب الوطني.
ولعل جوهر الأزمة يكمن في أن إسرائيل نجحت في بناء دولة ذات مؤسسات قوية، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في تحويل هذه القوة المؤسسية إلى إطار وطني يحظى باعتراف متكافئ من جميع مواطنيها. ومن ثم، فإن مستقبل الاندماج الوطني لا يتوقف على قدرة الدولة على احتواء الأزمات المتعاقبة فحسب، بل على قدرتها على معالجة التناقضات التي تربط الهوية بالمواطنة، والقومية بالديمقراطية، والانتماء بالاعتراف المتبادل. وهذه هي المعضلة التي تجعل قضية العرب مرآة للأزمة البنيوية الأوسع للمجتمع الإسرائيلي.
