رئيس التحرير
عصام كامل

الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية مهمة أم بداية صراع جديد؟

18 حجم الخط

بعد أكثر من عقدين على الغزي الذي أطاح بصدام حسين من حكم العراق تتجه الولايات المتحدة أخيرا لأن تطوي آخر فصول وجودها العسكري في العراق بعد سنوات من القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ويأتي الانسحاب الحالي في إطار مسار اتفقت عليه بغداد وواشنطن عام 2024، حين جرى الاتفاق على إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق والانتقال تدريجيًا إلى شراكات أمنية ثنائية. 


لكن مغادرة القوات الأمريكية لا تعني بالضرورة انتهاء الدور الأمريكي في العراق، كما أنها لا تعني أن بغداد تدخل مرحلة مستقرة خالية من التهديدات، فالمسألة الأكثر أهمية ليست عدد الجنود الذين غادروا، وإنما من سيملأ الوظائف الأمنية والاستراتيجية التي كانت تؤديها الولايات المتحدة، وكيف سيتغير ميزان القوة داخل الدولة العراقية وفي محيطها الإقليمي؟ 

 

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة، فالانسحاب الذي يمكن النظر إليه باعتباره استعادة للسيادة العراقية قد يتحول، إذا لم تواكبه ترتيبات مؤسسية وأمنية فعالة، إلى اختبار صعب لقدرة الدولة على احتكار القوة وإدارة التنافس بين القوى المحلية والإقليمية.


المخاوف الراهنة من الانسحاب الأمريكي لا يمكن فهمها من دون العودة إلى تجربة عام 2011 حينما غادرت القوات الأمريكية العراق بينما كان تنظيم داعش الذي كان قد تعرض لضربات قاسية خلال السنوات السابقة قد تراجع إلى مستويات غير مسبوقة. وأسهمت العمليات الأمريكية العراقية، إلى جانب دور العشائر السنية في إطار الصحوات، في تفكيك جزء كبير من البنية العملياتية للتنظيم وقتل عدد من قياداته.


لكن تراجع التنظيم لم يكن يعني زوال البيئة السياسية والأمنية التي سمحت له بالعودة، فبعد أقل من ثلاثة أعوام انهارت وحدات عراقية أمام هجوم تنظيم الدولة الإسلامية، وسقطت الموصل ومدن ومناطق واسعة تحت سيطرته. وفي يونيو 2014 كشفت صور فرار أفراد من القوات الأمنية العراقية عن حجم الانهيار المؤسسي، قبل أن يعلن أبو بكر البغدادي من الموصل إقامة ما سماه الخلافة.


الدرس الأساسي من تجربة 2011 يكمن في أن القوة العسكرية الخارجية يمكن أن تساعد في احتواء تهديد أمني، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة قادرة على الاستمرار في احتوائه بعد مغادرتها. ولهذا تبدو المقارنة بين 2011 و2026 مفيدة ولكنها ليست متطابقة، فالعراق الحالي يمتلك قوات أمنية أكثر خبرة ويمتلك خبرة قتالية واسعة اكتسبها خلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.. 

كما أن التنظيم نفسه لم يعد يسيطر على مدن وأراضٍ واسعة كما كان الحال في 2014. وقد أكدت وزارة الدفاع الأمريكية أن الهزيمة الإقليمية للتنظيم تحققت في العراق وسوريا مع استمرار اعتباره تهديدًا أمنيًا رغم تراجعه.  لكن الفارق المهم أن التهديد لم يعد يتمثل في قدرة التنظيم على إقامة دولة، وإنما في قدرته على استغلال الفراغات الأمنية والحدود غير المحكمة والمناطق الريفية والنائية لتنفيذ هجمات واستعادة شبكاته المحلية.


بالطبع من السهل النظر إلى تنظيم داعش باعتباره الخاسر الأكبر من الحرب التي خاضها العراق والتحالف الدولي ضده، لكن هذا الاستنتاج يحتاج إلى قدر من التحفظ. فالتنظيم فقد الأرض والموارد والمؤسسات التي أقامها خلال فترة سيطرته، لكنه لم يفقد بالكامل القدرة على العمل السري. ولذلك فإن السؤال بعد الانسحاب الأمريكي ليس ما إذا كان داعش قادرًا على تكرار تجربة 2014، وإنما ما إذا كان قادرًا على استغلال أي تراجع في القدرات الاستخبارية والاستطلاعية والجوية العراقية لإعادة بناء شبكاته.


هنا تكمن واحدة من أشد النقاط حساسية في عملية الانسحاب. فالمهمة الأمريكية لم تكن تقتصر على وجود قوات قتالية في الميدان، بل تضمنت التدريب والمشورة والدعم الاستخباري واللوجستي والاستطلاع والمراقبة، في حين لم يقدم الاتفاق الأمريكي ـ العراقي لعام 2024 الانسحاب باعتباره قطعًا للعلاقة الأمنية بل باعتباره انتقالًا من مهمة التحالف إلى علاقة أمنية ثنائية طويلة الأجل. 


وبالتالي، فإن نجاح العراق في منع عودة التنظيم لن يتوقف فقط على قدرات قواته البرية، وإنما على قدرته على تعويض منظومة المعلومات والإنذار المبكر والاستطلاع والدعم الجوي التي كان التحالف يوفرها. وهذه نقطة مهمة؛ لأن التنظيمات المسلحة لا تحتاج إلى فراغ أمني شامل لكي تستعيد نشاطها. يكفيها وجود مناطق محدودة تستطيع الاختباء فيها، وشبكات اجتماعية ومالية، وقدرة على استغلال الثغرات بين الأجهزة الأمنية المختلفة.


لكن تظل المشكلة الأكثر تعقيدًا هي من يملأ الفراغ السياسي؟ فإذا كان خطر داعش يمثل الجانب الأمني المباشر للانسحاب، فإن تنامي نفوذ الفصائل المسلحة يمثل التحدي السياسي والاستراتيجي الأكثر تعقيدًا. فالعراق يعيش منذ سنوات داخل منظومة تتداخل فيها مؤسسات الدولة مع قوى مسلحة تمتلك أجنحة سياسية وعلاقات إقليمية، فيما تحول إلى إحدى ساحات التنافس غير المباشر بين واشنطن وطهران، خصوصًا منذ حرب غزة وما تبعها من هجمات على القوات والمنشآت الأمريكية في العراق وسوريا.


ومن ثم، فإن الانسحاب الأمريكي لا يمثل مجرد قرار عسكري، بل إعادة توزيع للقدرة على التأثير في العراق. فالوجود الأمريكي كان أحد موازين القوة في مواجهة النفوذ الإيراني، وإن كانت مغادرته لا تعني اختفاء المصالح الأمريكية أو النفوذ الإيراني، وإنما تغير أدوات التنافس بينهما.


ولا يعني ذلك أن إيران ستملأ الفراغ تلقائيًا؛ فنفوذها قائم أصلًا على شبكات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية متجذرة داخل العراق. لكن غياب الوجود الأمريكي قد يوسع هامش حركة القوى المرتبطة بها، وهو ما يثير مخاوف لدى قطاعات كردية وسنية من اختلال إضافي في توازنات القوة الداخلية. في المقابل، ترى بغداد في إنهاء الوجود العسكري الأجنبي فرصة لتعزيز السيادة والانتقال إلى علاقة ثنائية أكثر طبيعية مع واشنطن.


في هذا السياق يقف الأكراد والسنة أمام معادلة جديدة إذ يمثل الانسحاب اختبارًا خاصًا للقوى الكردية وبعض القوى السنية، التي كانت ترى في الوجود الأمريكي عاملًا موازنًا داخل النظام العراقي. وفي إقليم كردستان تتداخل هذه المخاوف مع تحديات العلاقة مع بغداد، والنشاط العسكري التركي، والنفوذ الإيراني، والتهديدات التي تمثلها الجماعات المسلحة. 

ومن هنا تبرز إشكالية بناء ترتيبات أمنية وطنية توفر الحماية لجميع مكوناته دون حاجة إلى مظلات خارجية؟ فالإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان الانسحاب سيعزز الدولة أم يوسع اعتمادها على القوى الإقليمية.


على جانب آخر لا يمكن إغفال الدور التركي في إعادة تشكيل التوازن الإقليمي، حيث لا يقتصر المشهد على التنافس الأمريكي ـ الإيراني، لاسيما وأن العراق يقع عند تقاطع مصالح إيرانية وتركية وأمريكية وخليجية، مع حضور متزايد لقوى أخرى. وتملك تركيا وجودًا أمنيًا وعسكريًا في شمال العراق مرتبطًا أساسًا بمواجهة حزب العمال الكردستاني، ما يجعل تراجع الحضور الأمريكي عاملًا قد يوسع هامش الحركة أمام قوى إقليمية متعددة. 

لذلك، قد لا ينتقل العراق ببساطة من النفوذ الأمريكي إلى النفوذ الإيراني، وإنما يدخل مرحلة أكثر تعددًا في مراكز النفوذ والتنافس الإقليمي.


ورغم انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، لا تغادر الولايات المتحدة العراق بالمعنى الجيوسياسي الكامل. فالترتيبات التي جرى الاتفاق عليها منذ 2024 تستهدف الانتقال من مهمة التحالف إلى شراكة أمنية ثنائية، بما يسمح لواشنطن بالحفاظ على قدر من النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي دون وجود عسكري واسع.


وبذلك تحاول الولايات المتحدة الانتقال من الوجود العسكري المباشر إلى نفوذ أقل كلفة وأكثر مرونة، فيما يبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطًا بقدرة العراق على تحمل مسؤولياته الأمنية، وقدرة واشنطن في الوقت نفسه على الحفاظ على أدوات تأثيرها من خارج الوجود العسكري المباشر.


الأهم هنا أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانسحاب، لذلك، لا يكمن يتعين التركيز على قدرة العراق على تحويل الانسحاب إلى فرصة لترسيخ الدولة، وهو ما يتوقف على أربعة اختبارات رئيسية تتمثل في قدرة القوات العراقية على منع عودة داعش، وفرض احتكار الدولة للسلاح، وإدارة العلاقة مع إقليم كردستان والقوى السنية، ثم بناء سياسة خارجية متوازنة تمنع تحول العراق إلى ساحة للصراعات الإقليمية. 

فالفراغ لا ينتج بالضرورة عن خروج قوة أجنبية، وإنما عندما تعجز المؤسسات الوطنية عن أداء الوظائف التي كانت تلك القوة تؤديها. وإذا نجحت بغداد في سد هذه الفجوات، فقد يصبح الانسحاب خطوة نحو منظومة أمن وطني أكثر استقلالًا؛ أما إذا فشلت، فقد ينشأ عراق أكثر تعددًا في مراكز القوة، وأوسع تعرضًا للتنافس الإقليمي.

بعبارة أخرى، إن انسحاب 2026 لا يمثل نهاية قصة الوجود الأمريكي في العراق بقدر ما يمثل بداية مرحلة جديدة من الصراع على تعريف الدولة العراقية وموقعها في النظام الإقليمي.

الجريدة الرسمية