إسرائيل بين أزمات السياسة وأزمات المجتمع
لم تعد الأزمة التي تواجهها إسرائيل مجرد خلاف بين حكومة ومعارضة أو صراع انتخابي جديد على رئاسة الوزراء، بل تبدو أقرب إلى أزمة ممتدة تضرب علاقة المجتمع بالدول. فالتحذير الذي نقلته صحيفة معاريف عن تقرير أمريكي، وتحدث عن أن إسرائيل تواجه مزيجًا من الاستقطاب السياسي والضغوط الاقتصادية وأزمة التجنيد الإجباري، يعكس حجم التشابك بين الأزمات التي باتت تتحرك في وقت واحد، إلى درجة الحديث عن خطر الحرب الأهلية أو الانهيار السياسي.
لقد خاضت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة مواجهات طويلة في غزة ولبنان وإيران، لكن أثر هذه الحروب لم يبق عند حدود الجبهات العسكرية، بل انتقل إلى الداخل الإسرائيلي وأسهم في تعميق التصدعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
هنا تبرز مفارقة أساسية؛ ففي حين تعامل الكيان الصهيوني تاريخيًا مع التهديدات الخارجية باعتبارها عاملًا لتوحيد المجتمع تواجه اليوم احتمال أن تتحول الحرب نفسها إلى عامل إضافي في تفكيك ذلك التماسك. فالجنود العائدون بعد سنوات من القتال يمثلون جانبًا من هذا الضغط الاجتماعي، خاصة مع الإشارة إلى معاناة بعضهم من صدمات نفسية شديدة، بالتوازي مع أزمة اقتصادية وارتفاع مستمر في الإنفاق العسكري.
وبذلك لم تعد تكلفة الحرب محصورة في الموازنة العسكرية أو الخسائر البشرية، بل أصبحت جزءًا من الواقع اليومي للمجتمع الإسرائيلي، سواء من خلال العبء الاقتصادي أو الضغط النفسي أو الانقسام حول جدوى استمرار المواجهات.
في هذا السياق، تحتل أزمة تجنيد اليهود "الحريديم" موقعًا مركزيًا في الانقسام الداخلي الإسرائيلي، لأنها تتجاوز كونها قضية عسكرية لتصل إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بتوزيع الأعباء داخل المجتمع. ففي الوقت الذي تُستدعى فيه قطاعات واسعة من الإسرائيليين للخدمة العسكرية والاحتياط، يستمر الجدل حول إعفاء شرائح دينية من التجنيد، وهو ما يعد مصدرًا قويًا للاستياء، ويعمق الخلاف بين التيارات العلمانية والمتدينة.
ولا تعد هذه أزمة جديدة؛ فأحداث عام 2019 تكشف أن ملف تجنيد "الحريديم" كان أحد العوامل الرئيسية التي أعاقت تشكيل حكومة مستقرة، بعدما تحول الخلاف حول علاقة الدين بالدولة إلى نقطة صدام مباشرة بين أحزاب اليمين القومي والأحزاب الدينية. وهو ما يعني أن الأزمة الراهنة في جوهرها امتداد لصراع لم تتمكن المنظومة السياسية الإسرائيلية من حسمه طوال سنوات؛ صراع حول من يتحمل كلفة الدفاع عن الدولة؟ وما حدود الامتيازات التي يمكن منحها لجماعات دينية داخل مجتمع يعيش حالة تعبئة عسكرية طويلة؟
أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووفقا للتقرير الإمريكي، فقد تحول من زعيم سياسي إلى محور للأزمة، إذ لم يعد مجرد رئيس حكومة يواجه منافسة انتخابية، وإنما أضحى أزمة في حد ذاته، بسبب صراعه للبقاء في السلطة وتأثير هذا الصراع في الاستقطاب الداخلي منذ الأزمة السياسية التي شهدتها إسرائيل عام 2019.
حتى إن الخلاف لم يعد فقط بين اليمين واليسار، بل امتد إلى داخل المعسكر اليميني وحزب الليكود نفسه، لاسيما وأن 56% من الجمهور الإسرائيلي رأوا آنذاك أنه ينبغي أن يستقيل بعد توجيه الاتهامات إليه، الأمر الذي يضفي المزيد من التعقيد والاستقطاب في حين يبقى محور الأزمة نفسه في مركز السلطة.
لكن بالعودة لخطوات أكثر للخلف نجد أن الأزمة السياسية في إسرائيل لا ترتبط فقط بالأحزاب أو الأشخاص، وإنما بطريقة بناء النظام السياسي نفسه؛ فالانتخابات الإسرائيلية تعتمد على نظام التمثيل النسبي، مع التعامل مع إسرائيل باعتبارها دائرة انتخابية واحدة، وهو ما يمنح تمثيلًا واسعًا للقوى المختلفة، لكنه يجعل الوصول إلى أغلبية مستقرة داخل الكنيست أمرًا بالغ الصعوبة.
ونتيجة لذلك، تعتمد الأحزاب الكبيرة باستمرار على أحزاب أصغر حتى تتمكن من تجاوز حاجز 61 مقعدًا وتشكيل الحكومة، ما يمنح القوى الصغيرة قدرة كبيرة على فرض شروطها السياسية والدينية.
وقد ظهرت نتائج هذا الخلل بوضوح في أزمات تشكيل الحكومات السابقة، عندما فشل نتنياهو ثم بيني جانتس في بناء ائتلاف قادر على الحكم، لتدخل إسرائيل حينها في دوامة انتخابات متتالية.
ما سبق يكشف تشعبات الأزمة المتجذرة في المجتمع الإسرائيلي حتى وإن لم يطفو منها على السطح سوى القليل مثلا الخلاف على الحكومة، والخلاف على نتنياهو، والخلاف على التجنيد، والخلاف بين العلمانيين والمتدينين، والضغط الاقتصادي المتزايد، والآثار النفسية والاجتماعية للحرب، إلى جانب تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية وغيرها من الإشكالات الكامنة في عمق المجتمع الإسرائيلي.
هنا يتجلى التحدي الأبرز والمتمثل في مدى قدرة المؤسسات السياسية على إدارة مجتمع لم يعد منقسمًا حول ملف واحد، وإنما حول مجموعة واسعة من القضايا التي ترتبط بهوية الدولة وطبيعة العلاقة بين مكوناتها، فضلا عن عدد من الجوانب الخارجية للأزمة وهو ما سوف يتناوله المقال القادم.
