ماتت المشاعر في بيوتنا!
زمان كانت الأم مقدسة.. والأب مهاب.. والأسرة منبع الدفء والتواصل والتكافل والرحمة والحميمية.. فماذا حدث لبيوتنا حتى صارت الرسائل الهاتفية والسوشيال ميديا بديلًا للمشاعر الإنسانية؟!
في حديث إنساني بالغ الدلالة، يروي فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، ملامح علاقته بأمه، وكيف نشأ في بيت كانت فيه للأب والأم والمعلم حرمة لا تُمس، وكان احترام الأم يبدأ بتقبيل يدها، ولا ينتهي إلا عند مثواها الأخير؛ إذ حملها بيديه إلى قبرها، بعدما لازمها في مرضها، وسبق بيده أيدي الممرضات والأطباء في خدمتها.
لم يكن ذلك مجرد برٍّ بالأم، بل كان مدرسة متكاملة في التربية والوفاء وضبط النفس، حيث لا تعني المحبة التدليل المفرط، ولا يعني الاختلاف رفع الصوت، ولا تتحول المعرفة إلى مبرر للتطاول على الكبار. كان الإمام الأكبر يلوذ بالصمت احترامًا لأمه حتى ولو جانبها الصواب في مشهد يكشف أن الرقي الحقيقي ليس فيما نعرفه، بل فيما نملكه من أخلاق تضبط سلوكنا.
قارنوا هذا النموذج بما يحدث اليوم في بعض بيوتنا، حيث يتبادل أفراد الأسرة رسائل الهاتف من حجرة إلى أخرى، ويحل التواصل الإلكتروني محل الحديث المباشر، وتُستبدل دفء المشاعر ببرود الشاشات. وأصبح بعض الأبناء يواجهون آباءهم وأمهاتهم بعبارات قاسية وردود جافة، وكأن سنوات التضحية والتربية لا تستحق كلمة طيبة أو نظرة امتنان.
ولم تقف الخسارة عند حدود الأسرة، بل امتدت إلى الذوق العام، وتراجعت معها قيم التسامح والرحمة، وطفا على السطح العنف والبلطجة والسرقة، فيما تسلّل الجفاف العاطفي إلى بعض العلاقات الزوجية، حتى بات القرب المكاني لا يعني بالضرورة قربًا إنسانيًا.
لسنا أمام حنين ساذج إلى الماضي، ولا دعوة إلى إلغاء شخصية الأبناء أو مصادرة حقهم في الاختلاف، وإنما أمام سؤال جوهري: ماذا يبقى من التقدم إذا خسر الإنسان إنسانيته؟ وما قيمة التكنولوجيا إذا قرّبت البعيد، بينما أبعدت القريب؟ وكيف نبني جيلًا سويًّا إذا عجزنا عن غرس الرحمة والاحترام والوفاء في نفوس أبنائنا؟
إن أخطر ما يمكن أن تنتجه هذه التحولات ليس جيلًا مختلفًا عن آبائه، بل جيلًا فاقدًا لدفء الانتماء، مضطرب الصلة بجذوره، فقيرًا في مشاعره، مهما امتلك من أدوات المعرفة والاتصال.
لقد ذكّرنا الإمام أحمد الطيب، من حيث أراد أن يحكي عن أمه، بأن الحضارة الحقيقية تبدأ من البيت، وأن برّ الوالدين ليس طقسًا اجتماعيًا، بل ضمير حيّ، وأن الإنسان لا يُقاس بما يملك من أجهزة، وإنما بما يحمله قلبه من رحمة ووفاء. فهل نستعيد دفء الأسرة قبل أن تصبح بيوتنا متجاورة في المكان، متباعدة في الأرواح؟ ما الذي جرى لدنيانا؟!
