أدب الخلاف والاختلاف.. بين التجريح ورقي الحوار
سمعتُ مؤخرًا جملة بسيطة، قيلت بلهجة عامية عفوية، لكنها ظلت تطاردني: «قلة الأدب والتجريح في الآخرين سهل، لكن الأدب والرقي والكلام بأدب على الآخرين هو اللي صعب». توقفتُ عندها طويلًا، لأنها تقلب معادلة استقرت في وعي كثيرين منا. صرنا نظن أن الجرأة في الصوت العالي، وأن الشجاعة في الكلمة الجارحة، وأن من يتكلم بأدب إنما يجامل أو يخاف. والحقيقة عكس ذلك تمامًا.
السقوط لا يحتاج جهدًا
في الطبيعة، السقوط لا يحتاج إلى طاقة. الجاذبية تتكفل بكل شيء. أما الصعود فيحتاج إلى عضلات وإرادة ونَفَس طويل. وكذلك الكلام.. التجريح رد فعل غريزي، تفريغ سريع لغضب أو عجز أو إحساس بالهزيمة. لا يحتاج إلى علم ولا إلى حجة ولا إلى تفكير. يكفي أن تبحث في خصمك عن نقطة ضعف وتضغط عليها.
أما الأدب، فيحتاج إلى ضبط النفس في لحظة الغضب، وإلى ثقة بالذات لا تجعلك في حاجة إلى تحقير غيرك كي تشعر بقيمتك. المؤدب الحقيقي ليس العاجز عن الإيذاء، بل القادر عليه والمختار ألا يفعل. الأدب قوة مكبوحة، لا ضعف متخفٍّ.
وأصعب الأدب ليس الصمت عن الحقيقة، فهذا نفاق لا أدب. أصعبه أن تقول الحقيقة الموجعة كاملة، بلغة لا تهين صاحبها. أن تختلف مع الفكرة وتحترم الإنسان.
حين يتحول الاختلاف إلى خصومة
لقد تعلمنا في تراثنا أن: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». هذه الجملة ليست تواضعًا لفظيًا، بل منهج كامل في التفكير. فهي تفترض أن الحقيقة أكبر من أي واحد منا، وأن المخالف قد يحمل جزءًا منها.
فماذا حدث لنا؟
صار الاختلاف في الرأي يُقرأ خيانة، والنقد يُفسَّر عداوة، والسؤال يُعامَل كأنه اتهام. لم نعد نناقش الفكرة، بل نطعن في نية صاحبها، ثم في وطنيته، ثم في دينه، ثم في أخلاقه. ومن يملك الصوت الأعلى أو المنصة الأوسع يظن أن الصخب برهان.
وهذا لا يأتي من جهة واحدة. يأتي أحيانًا ممن يملكون الكلمة والسلطة، فيضيقون بالرأي المخالف ويلصقون به أسوأ الأوصاف. ويأتي أحيانًا من الجموع الغاضبة على الشاشات، التي تحاكم وتدين وتنفذ الحكم في دقائق. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: يموت الحوار.
تخيلوا مصر وهي بيتنا يسكنه إخوة متخاصمون تختلف آراؤهم في إدارة الوطن، فالخلاف ثروة. هذا يرى ما لا يراه ذاك، وتلك تنبه إلى خطر غاب عن الجميع، ويخرج القرار أنضج.
لكن يوم يصبح التخوين لغتهم، والسخرية سلاحهم، يتوقف كل واحد عن الاستماع. ينسحب العاقل لأنه لا يريد أن يُهان. ويصمت الخائف لأنه لا يريد أن يُتهم. ويبقى في الساحة الأعلى صوتًا لا الأصح رأيًا. ثم يتساءلون بعد ذلك: لماذا تتصدع الجدران؟ إن البيت الذي لا يتسع لاختلاف ساكنيه، لا يحميه ارتفاع أسواره.
الدولة المدنية تبدأ من اللسان
نتحدث كثيرًا عن الدولة المدنية، وعن الديمقراطية، وعن تداول السلطة، وعن الحريات. وكلها قيم أؤمن بها وأدافع عنها. لكني أزداد يقينًا بأن هذه القيم لا تبدأ من الدساتير وحدها، بل تبدأ من ثقافة أعمق: أن أعترف بحقك في أن تكون مخطئًا في نظري، دون أن أسلبك كرامتك.
الديمقراطية في جوهرها ليست صندوقًا انتخابيًا فحسب، بل هي أدب اختلاف مؤسسي. هي اتفاق على أن نتنافس دون أن نتبادل الإلغاء. والمجتمع الذي لا يعرف كيف يختلف بأدب، لن يعرف كيف يتداول السلطة بسلام، لأن كل خسارة في الرأي ستبدو له هزيمة وجودية، وكل منافس سيبدو عدوًا يجب محوه.
الكلمة الجارحة رخيصة الثمن.. غالية التكلفة
ما يبنيه الاحترام في سنوات، تهدمه كلمة جارحة في ثانية. والهدم دائمًا أرخص من البناء. وفي زمن المنصات، صارت الإهانة عملة رائجة. التعليق اللاذع يجلب الانتشار، والسخرية تجلب التصفيق، والهدوء يبدو باهتًا لا يلتفت إليه أحد. ولكن علينا أن نسأل: ماذا نربح من مجتمع يصفق للجارح ويتجاهل الحكيم؟ نربح ضجيجًا، ونخسر عقولًا.
الخلاصة:
الحكمة التي سمعتها ليست دعوة إلى المجاملة ولا إلى الصمت. إنها دعوة إلى أصعب أنواع الشجاعة: أن تقول ما تؤمن به كاملًا، وأن تختلف بوضوح، دون أن تنزل إلى مستوى لا يليق بك ولا بمن تخاطبه. فالأدب ليس زينة للضعفاء، بل هو سلاح الواثقين. ومن يحتاج إلى إهانة خصمه كي ينتصر عليه، فقد اعترف ضمنيًا بأنه لا يملك حجة.
